حسين بن فخر الدين ( ابن معن )
433
التمييز
فهو أنموذج دار العقاب ، ثمّ من وراء ذلك ما لا تحتمل العقول من ألوان العذاب ، كلّ ذلك يخرج لهم من غضبه ، ولأهل الجنّة من رحمته دعاهم ليجدّد لهم أبدانا طرّية وأعمارا أبديّة . وقال لقمان : كلّ شيء من الدّنيا سماعه أعظم عن عيانه ، وكلّ شيء من الآخرة عيانه أعظم من سماعه . الحقائق تقصر عقولنا عن معرفتها وإنّما يعلمها خالقها . قال صاحب أسئلة الحكم : فإن قيل ما معنى قول عليّ رضي اللّه عنه : لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا . يقال له : أي ازددت يقينا بإيمان لها وإن كان إذا رأى الآخرة أبصر بها من البصائر ماهيّات ما لم يحط به قبل ذلك ولا بدّ لكلّ أحد من غطاء ينكشف عند لقاء ربّه [ ألا ترى إلى قوله يقينا ولم يقل معرفة ] « 1 » . وإن العمر إذا عمّر بحياة القلب بالإيمان فذاك كثير وإن قلّ في عدد أيّام المدّة لأنّ القصير من / 213 أ / العمر إذا احتشى من الإيمان ربى على الكثير وإنّما يبتغي من العمر العبوديّة لله كي يصير غدا عند اللّه وجيها . من بورك في عمره ووفّق لأرشد أمره أدرك في يسير من الزّمن من منن اللّه ما لا يدخل تحت دوائر العبارة ولا تلحقه الإشارة . وقد غنمت سحرة فرعون بسجدة واحدة قبلت منهم . ومن مات محمودا أحسن حالا ممّن عاش مذموما . وقال ابن عبّاس رضي اللّه عنه : تكفّل اللّه لمن يقرأ القرآن ويعمل بما فيه بأن لا يضلّ في الدّنيا ولا يشقى في العقبى ثمّ تلا هذه الآية فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى « 2 » . وإنّ الخروج من الدنيا وإن كان لا تطيب به نفس ولكن قد تتهيّأ رياضة النّفس عليه باستشعار الزّهد في الفاني العاجل والاستكثار من العمل النّافع في الآجل . وقال معروف الكرخي « 3 » : إنّ طول الغفلة من أمارات الخذلان . عليك بدفع العوائق حتّى تستقيم لك عبادتك وهي أربعة ؛ الدّنيا والخلق والنفس والشيطان ، فدفع الدّنيا بالتجرّد عنها والزهد فيها بجهد حميد وجدّ بليغ وإنّما لزمك هذا التجرّد والزّهد فإن الرغبة في الدّنيا يشغل ظاهرك بالطلب وباطنك بالإرادة
--> ( 1 ) زيادة من نور عثمانية 3753 . وأسعد أفندي . ( 2 ) سورة طه : آية ( 123 ) . ( 3 ) سبقت ترجمة .