حسين بن فخر الدين ( ابن معن )

427

التمييز

أعظمها قدرا وأعمّها تبصرة وذكرى ، ثم لا تزال تنشو إلى أن تصله إلى السّعادة الحقيّة والألطاف / 209 أ / الخفية ، ومن أتم العناية إلى العبد أن يرزقه اللّه الإنابة . والبصيرة قوة نورانية للقلب يدرك بها حقائق الأشياء وهي للقلب بمنزلة البصر للعين ، وهي التي تسمّيها الحكماء العاقلة النظريّة ، وأما إذا تبرّزت بنور القدس وانكشف حجابها بهداية الحقّ فنسمّيها القوّة القدسيّة ، وحقّ لمن أعرض عن الدّنيا وغرورها ، وأقبل على الآخرة وحبورها ، وعزفت نفسه المتاع الواهي ، ونابذ الزخارف والملاهي ، وشاهد صنع الواحد الباقي ، واستروح روائح المقبل الآتي ، من دوام الآخرة ونضرتها ، وخلود المجاورة ومسرّتها ، وحصول الزّيارة وزهرتها ، أن يكون بما أختاره اللّه راضيا ، وعما اقتطعه عنه من الدّنيا ساليا ، ولما ندبه إليه ساعيا ، ولما أرشد إليه رسول اللّه واعيا ، ولخواطر قلبه راعيا ، ليصير من جملة المطهّرين ، لعلّه يقرّب بما خصّ به الأبرار المقرّبين ، ويغتنم ساعاته بالبعد عن مخالطة المخلطين ، ويصون أوقاته عن مسالمة المبطلين ، ويجتهد في معاملة ربّ العلمين ، بإخلاص النيّة وحسن اليقين ، مقتديا بسنّة سيّد المرسلين ، وفي قوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، « كفى بالموت واعظا » « 1 » ، نصح الأولين والآخرين ، وقوله عليه الصلاة والسلام « تركت فيكم واعظين ؛ ناطقا وصامتا ، فالناطق القرآن والصامت الموت » . وهذا كلام مختصر / 209 ب / وجيز قد جمع التذكرة وأبلغ في الموعظة ولكنّ النّفوس الرّاكدة والقلوب الغافلة تحتاج إلى تطويل الوعّاظ ، وتذييل الألفاظ ، وإلّا ففي هذا الحديث ما يكفي السّامع له ويشفي النّاظر فيه . وقال الشبلي « 2 » : وجدت نجاتي وخلاصي في حديث واحد وكان فيه علم الأولين والآخرين ، وهو قوله صلّى اللّه عليه وسلّم لبعض أصحابه : « اعمل لدنياك بقدر مقامك فيها واعمل لآخرتك بقدر بقائك فيها واعمل للّه بقدر حاجتك إليه واعمل للنّار بقدر صبرك عليها » « 3 » .

--> ( 1 ) الفتح الكبير 2 / 318 . ( 2 ) هو أبو بكر بن جحدر الشبلي ( ت 334 ه / 946 م ) كان واليا على الري ، وولي الحجابة للموفق العباسي ، ثم ترك الولاية وعكف على العبادة ، فاشتهر بالصلاح ، وسلك مسلك المتصوفة . وفيات الأعيان 2 / 273 - 276 ؛ تاريخ بغداد 14 / 389 ؛ المنتظم 6 / 347 ؛ صفة الصفوة 2 / 456 - 416 ؛ حلية الأولياء 10 / 346 . ( 3 ) رواه ابن الجوزي مع بعض الاختلاف انظر صفة الصفوة 2 / 461 .