حسين بن فخر الدين ( ابن معن )

415

التمييز

كفى بموت واعظا لمن يكن ملاحظا ومن له معلوم بعقله ملزوم فإذا توقّد مصباح العقل واشتعل نور الفطنة بصّر صاحبه محاذرة الأيّام وتناهى التفكر إلى تحكيم عقله ، ثم عرّفه ما في تعجيل الشهوة من استنفاد المدّة ، وما في قضاء الأوطار بالازراء بالعدّة ، فاستظهر على الصّبر بتقارب الفناء فتفرّقت مكايد عدوّه ، وظلّت خدع مخادعه ، وصان بالعلم جنود شرّته وادّخر الصبر شفقة من الفتنة ، فصار علما لمن بعده وسلفا لمن اقتدى به ، وعصمة لمن سلك مسلكه واعتدّ عدّته . والرّجل البليد البطيء الفهم هو ابدا في تعب ولا يظفر بطائل . وروي عن ابن عمر رضي اللّه عنه أنه قال : كنت جالسا عند النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فجاء رجل من الأنصار فسلم ثم قال : « أيّ المؤمنين أفضل يا رسول اللّه ؟ . قال : أحسنهم خلقا . قال أي المؤمنين أكيس ؟ . قال : أكثرهم للموت ذكرا وأحسنهم لما بعده استعدادا » « 1 » . ويقال : أفضل النّاس من كان له خمس خصال ؛ أولها أن يكون / 201 أ / على عبادة ربّه مقبلا ، والثانية أن يكون على منفعة الخلق ظهيرا ، والثالثة أن يكون النّاس من شرّه أمينا ، والرابعة أن يكون عمّا في أيدي النّاس آيسا ، والخامسة أن يكون للموت مستعدا باكتساب المعارف الإيمانيّة والملكات الرّحمانيّة . وقال القرطبي في التذكرة « 2 » : الموت ليس بعدم محض ولا فناء صرف ، وإنّما هو انقطاع تعلّق الرّوح بالبدن ومفارقته وحيلولة بينهما ، وتبدّل حال وانتقال من دار إلى دار « 3 » . وكان الحسن البصري يقول : إنّا واللّه ما خلقنا للفناء بل خلقنا للبقاء وإنّما ننقل من دار إلى دار . وقال بعض الحكماء : رب موت كالحياة . أمّا الجسم فإنّه أعظم حجاب بينك وبين اللّه ، وأمّا الدّنيا فإنّها

--> ( 1 ) رواه ابن ماجة في سننه ، ص 1423 ؛ نوادر الأصول 57 ب . ( 2 ) عنوان الكتاب كاملا : التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة . كشف الظنون ، ص 390 . ( 3 ) التذكرة 1 / 19 .