حسين بن فخر الدين ( ابن معن )
282
التمييز
أما التعلّم والتعليم فهما من أعظم العبادات في الدنيا والمحتاج إلى تعلّم ما هو فرض عليه غاص بالعزلة ، فالعزلة في حقّه غاية الخسران فلا ينفك في أعماله بالبدن والقلب من أنواع من الغرور ويخيب سعيه ويبطل عمله من حيث لا يدري ، ومثال النّفس مثل مريض احتاج وافتقر إلى طبيب يعالجه ، والمريض الجاهل إذا خلا بنفسه عن الطبيب قبل أن يتعلم الطب تضاعف تضرّره لا محالة ، فالعزلة لا تليق إلّا بالعالم ، لا خير في عزلة من لا يعرف ما يلزمه فيها . وأما التعليم ففيه الثواب العظيم مهما صحّت نيّة المعلّم ، فإذا كان القصد إقامة الجاه واستكثارا من الأتباع للتباهي ، فهو هلاك الدين . فإن صودف / 134 ب / طالب للّه ومتقرّب بالعلم إلى اللّه فأكبر الكبائر الاعتزال عنه وكتمان العلم منه ، وليس في البخل أقبح من هذا ولا أكبر إثما منه . والعلم مرجوّ خيره على كلّ حال ، وفيه الترغيب والترهيب والتحذير ، وهي إثارة للخوف من اللّه فإن لم يؤثّر في الحال أثر في المال . وأمّا النّفع والانتفاع بالنّاس فبالكسب والمعاملة وذلك لا يتأتى إلّا بالمخالطة ، والمحتاج مضطرّ إلى ترك العزلة ، وإذا كان مكتفيا وكان قصده الكسب والتصدّق فهو أفضل من العزلة . وقد جاء في الحديث « خير النّاس من ينفع النّاس » « 1 » . والنفع أن ينفع النّاس بماله وبدنه فيقوم بحاجاتهم على سبيل الحسبة ففي القيام والنهوض بقضاء حوائج المسلمين ثواب لا ينال بالخلوة ، ومن قدر عليه مع القيام بحدود الشرع فهو أفضل من الخلوة . وفي الحديث « أفضل ما أكل العبد من كدّ يده وكل بيع مبرور » « 2 » . ولمّا كان الانسان محتاجا في سائر أحواله إلى معاونة كثير سواء كان في بناء أو مخيّم أو غير ذلك فهو مضطر إلى مخالطة النّاس لينتفع منهم بقدر حاجته وينفعهم بقدر طاقته . وأمّا التأدب والتأديب ، ونعني بالتأدب الارتياض بمقاساة النّاس والمجاهدة في تحمّل / 135 أ / أذلهم لكسر النفس وقهرا للشهوات وهي من الفوائد التي تستفاد بالمخالطة وهي أفضل في حقّ من لم يتهذب بعد أخلاقه ولم يذعن لحدود الشّرع شهواته . ولهذا انتدب خدّام الصّوفية فيخدمون النّاس كسرا لرعونة النّفس ،
--> ( 1 ) الفتح الكبير 2 / 98 . ( 2 ) رواه ابن ماجة في سننه ( تجارات ) ص 723 .