حسين بن فخر الدين ( ابن معن )
259
التمييز
هذا الزمان الذي كنّا نحذره فيما يحدّث كعب وابن مسعود ان دام ذا الدهر لم يحزن على أحد يموت منّا ولم يفرح بمولود قال الشيخ ابن العربيّ : الأعطيات الرّبانية تنقسم على أهل الأعصار انقسام الفواكه وغيرها من الارزاق النباتيّة والمعدنيّة بحسب أمزجة الفصول والأقاليم والادوار وأهلها انقساما لا يقبل النّقل ولا التقدّم ولا التأخّر فاعلم ذلك . وقد توافق الخلق من حيث لطائف الأرواح ، واختلفوا من حيث كثائف الأشباح ، ومن لم يتصف بالأوصاف الرّوحانية لم ينتقل عن مرتبة الحيوانية وإنّما شهود الكمال في مختلفات عوالم الأكوان . وقال أبو حامد / 121 ب / الغزالي : احذر صحبة الناس فإنّهم لا يقيلون عثرة ولا يسترون عورة ولا يغفرون زلّة يحاسبون على النقير والقطمير ، ويحسدون على القليل والكثير ، ينتصفون ولا ينصفون ، ويقطعون بالظّنون ، إن رأوا قالوا ، وإن لم يروا تقوّلوا ، يؤاخذون بالنّسيان ، ولا يعافون النّميمة والبهتان ، ثياب على ذئاب وبريق في سراب ، يا ويل من والأهم لا خير في كثير من نجواهم « 1 » . وكل هذا من قسوة القلوب التي أثمرتها كثرة الذّنوب . وضعف الايمان يوجب الحرمان ، وقد استولت محبّة الدّنيا على العقول ، وأفسدت الضمائر وتغيّرت الأخلاق ، فالعاقل يستغني عنهم ولو بأدنى شيء ، وقد تطايرت شرارات الشّرور وطلع فجر الفجور وغاب شفق الشفقة وركنت اعلام العلوم بالانتكاس ، وأشرفت مناهج الطّريقة على الاندراس والانطماس . مصاحبة النّاس خطر ، فمن صبر عليها فقد بالغ في الغرر ، إنّما هو كراكب البحر إن سلم بدنه من الغرق لم يسلم قلبه من الفرق « 2 » . وجاء في الأثر الغابر ، في القرن العاشر ، احذر أن تعاشر . وقال على كرم اللّه وجهه : إذا كان الغدر طبعا فالثّقة عجز ، وإن التودّد غير الودّ كالتكلف / 122 أ / في الكلام . وقال لقمان : الوحشة من النّاس على قدر المعرفة بهم ، شعر ( السريع )
--> ( 1 ) مقتبس من الآية الكريمة لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ سورة النساء ، آية ( 114 ) . ( 2 ) الفرق : الخوف والجزع .