حسين بن فخر الدين ( ابن معن )

216

التمييز

فإنّ قلوب المغترفين من المعرفة منابر الملائكة ، وبطون المتلذّذين بالشهوات قبور الحيوانات الهالكة . ومن تورّط بجهله عثر بذيل أمله واغتراره ، وتعامى عن شمس نهاره وسقط سقوط الذّباب على الشراب ، وتهافت تهافت الفراش في الشهاب ، وإنّ الغرور اكذب ومعرفة الانسان بحاله أصوب ، دع الونا « 1 » وخلّ الهوينا ، الأمر أهمّ والخطب أطمّ ، فخذ ما هو لدينك أصون ، ولا تأخذ بما هو عليك أهون ، وأصل ذلك كلّه والمرجع إليه هو طلب السلامة ، ومالك من دنياك إلّا ما أصلحت به مثواك ، توفيق قليل خير من عقل « 2 » كثير . وقال بعض الحكماء : إذا فسد الزمان كسدت الفضائل وضرت ، وكان خوف الموسر أشدّ من حزن المعسر . وروي عن عمر رضي اللّه عنه / 96 ب / أنه قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « ان فقراء المسلمين يدخلون الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم . قيل : يا رسول اللّه وما نصف يوم ؟ . قال : خمسمائة عام » « 3 » ، [ قال اللّه تعالى ] « 4 » وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ « 5 » ، وقال الامام القرطبي في ذلك : مثله كمثل سفينتين في هذا البحر مرّت واحدة وليس فيها شيء ، فقال صاحب البحر : خلّوا سبيلها ، ومرّت الأخرى موقرة « 6 » فحبست لينظر ما فيها ثم يخلّوها ، ولا شك أن العلائق عوائق عن الحقائق ، نور الحقيقة أحسن من نور الحديقة أقطع العلائق وأهجر الخلائق ، شعر ( البسيط ) فاز المخفّون في الدّنيا ولا عجب في فوز أخرى بهذا قد أتى الخبر واعلم أن الدّنيا ليست محذورة لعينها « 7 » ، ولكن لكونها عائقة عن الوصول إلى اللّه ، ولا الفقر مطلوب لعينه ، ولكن فيه عقد العوائق ، الوصول إلى اللّه هو

--> ( 1 ) الونا : التعب والفترة ، لسان العرب ( مادة : وني ) . ( 2 ) وردت في أسعد أفندي : عمل . ( 3 ) مسند ابن حنبل 3 / 63 ، 96 ؛ سنن أبي داود ( علم ) 2 / 290 . ( 4 ) زيادة من عاطف أفندي : ثم تلى هذه الآية . ( 5 ) سورة الحج : آية ( 47 ) . ( 6 ) موقرة : ذات الحمل الثقيل ، لسان العرب ( مادة : وقر ) . ( 7 ) جاءت في نور عثمانية 3753 : لذاتها .