حسين بن فخر الدين ( ابن معن )

208

التمييز

خصلتان مذمومتان ؛ الاستطالة مع السخاء والبطر مع الغنى . وقال علي كرم اللّه وجهه : ما منع مال من حقّ إلّا ذهب في باطل ، إنّ اللّه فرض أقوات الفقراء في مال « 1 » الأغنياء ، فما جاع فقير إلّا بما منع غنيّ واللّه سائلهم عن ذلك ، أقبح من فاقة الغنيّ رجوع الآمال عنه . وقال أبو الطيب « 2 » : شعر « 3 » ( الخفيف ) الغنى في يد اللئيم قبيح مثل قبح الكريم في الإملاق وقال الشيخ ابن العربي « 4 » : مسألة الغني الشاكر والفقير / 91 أ / الصابر مسألة طبولية « 5 » ، وغاية ما قال النّاس فيها أن الغني أفضل لتصدّقه ، والذي عندي في ذلك إنّما كان أفضل لأجل سبقه إلى مقام الفقر ، ومسارعته إليه « 6 » بالصدقة فله زيادة أجر ، وكان نقصه من الدّرجة على قدر ما أمسكه . وقد يحتجّ متوهّم لفضل الغنيّ على الفقراء عنده بقوله تعالى مخبرا عن الفقراء تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ « 7 » ، فلم يكن بكاؤهم على فوت « 8 » الدّنيا ولا على طلب الغنى واللّه يمدحهم بصبرهم عن الدّنيا ويذم الدّنيا إليهم ، لكن كان حزنهم على طلب المزيد من الفقر ليجدوا الإنفاق فيخرجوه فيفتقروا منه فيزدادوا فقرا من الدّنيا ببذله إلى فقرهم ، فعلى كثرة الإنفاق وحقيقة الفقر من الدّنيا كان حزنهم فهذا فضل ثان للفقر ، لا على الجمع والإدخار ، والموضع الأعلى الذي فضّل به الفقراء من هذه الآية عند أهل الاستنباط والدراية « 9 » هو مشاركة الرسول صلى اللّه عليه وسلم في حاله ووصف اللّه رسوله بمثل حالهم في قوله تعالى قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ

--> ( 1 ) جاء في بقية النسخ : أموال . ( 2 ) سبقت ترجمته . ( 3 ) ديوان المتنبي ( طبعة دار المعرفة ) ص 175 . ( 4 ) سبقت ترجمته . ( 5 ) طبولية : إضافية ، تاج العروس ( مادة : طل ) . ( 6 ) جاءت في بشير بوبو : إياه . ( 7 ) سورة التوبة : آية ( 92 ) . ( 8 ) فوت : الخلل ، لسان العرب ( مادة : فوت ) . ( 9 ) أهل الاستنباط والدراية : أهل الاجتهاد والعلم .