حسين بن فخر الدين ( ابن معن )

106

التمييز

إذا أنت لم تعرض عن الجهل والخنا أصبت حليما أو أصابك جاهل / 36 ب / وروي أن عيسى عليه السّلام كان يقول : من احتمل كلمة سفه كتبت له عشر حسنات . ويقال : ثلاثة يعدّون من المجانين وإن كانوا من ذوى العقول ؛ الغضبان والغيران والسكران ، فالغضب انما جعل في الحيوان ليكون به انتقام وتحفّظ من المؤذي ، وهذا العارض جاز حدّه فإذا تجاوز وأفرط حتى غلب العقل ربّما كانت نكايته في الغضبان أشدّ منها وأكثر في المغضوب عليه ، فوجب على كلّ عاقل أن يكثر تذكّر من أدّى غضبه إلى أمر كرهه في العاجل والآجل ، وأن يأخذ نفسه بتصوّر ذلك في حال غضبه بأن لا يلحقه الندم على ما أتاه ممّا أخرجه غضبه إليه ، وليس بين من فقد الفكرة والرؤية في حال غضبه وبين المجنون كثير فرق ولا يشارك البهائم في اطلاق العقل من غير تمييز ولا رؤية ، فإن ذلك من الانسان نقيصة ، ولو عزب « 1 » عنه الحلم حتى انقاد لغضبه ضلّ عنه وجه الصواب فيه وضعف رأيه عن خبرة أسبابه ودواعيه حتى يصير بليد الرأي مغمور الرؤية قليل الحلية مع ما يناله من أثر ذلك في نفسه وجسده ما يكون أضرّ عليه ممّا غضب له . وقال لقمان : / 37 أ / الحلم غنيمة ، والقناعة راحة ، والمداراة قوام المعاش ، وصاحب البغى مقمور إذا قمر « 2 » ، يعني ما ظفر من بالاثم ظفر ، وأقوى النّاس من ردّ غضبه بحلمه ، وأزال جهله بعلمه ، حسن الخلق يمن وسوء الخلق شؤم وقبول العذر كمال ، أقبح فعال ذوي التمكن والاقتدار عقوبة من التجى إلى الاعتذار ، ايّاك وما يسبق إلى القلوب انكاره ، وإن كان عندك اعتذاره ، وقال لقمان : إياك وما يعتذر منه ، ومن لم يكن لزلّة في التأويل مدخل نظر في حاله بعد زلله فإن ظهر ندمه وبان خجله فالندم توبة والخجل إنابة . [ شعر ( الطويل ) إذا كان وجه العذر ليس ببيّن فإن اطراح العذر خير من العذر ] « 3 »

--> ( 1 ) عزب : غاب وبعد عنه لسان العرب ، ( مادة : عزب ) . ( 2 ) قمر : انخدع ، حار بصره ، لسان العرب ( مادة : قمر ) . ( 3 ) زياد من أسعد أفندي وعاطف أفندي وداماد إبراهيم 946 وأحمدية .