ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )

710

المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر

أخلاق النفس المذمومة والمحمودة وكيفية علاجها والفرار منها ، وعلم المعرفة كالعمل للّه ( تعالى ) وصفاته وأسمائه وما عداها من العلوم . أما آلات هذه العلوم أو يراد بها عمل من الأعمال في الجملة كما لا يخفى على من تتبعها ، وظاهر أن علوم المعاملة لا تراد إلّا للعمل ، بل لولا الحاجة إليه لم يكن لها قيمة ، وحينئذ فنقول : الحكم للعلوم الشرعية ونحوها إذا أهمل تفقد جوارحه وحفظها عن المعاصي وإلزامها الطاعات وترقيها من الفرائض إلى النوافل ، ومن الواجبات إلى السنن اتكالا على اتصافه بالعلم ، وأنه في نفسه هو المقصود مغرور في نفسه مخدوع عن دينه يلتبس عليه عاقبة أمره ، وإنما مثله مثل مريض به علة لا يزيلها إلّا دواء مركب من أخلاط كثيرة لا يعرفها إلّا حاذق الأطباء ، فيسعى في طلب الطبيب بعد أن هاجر وطنه حتى عثر في طبيب حاذق فعلّمه الدواء ، وفصل له الأخلاط وأنواعها ومقاديرها ومعادنها التي منها تجلب ، وعلّمه كيفية دق كل واحد منها وكيفية خلطها وعجينها ، فتعلم ذلك منه وكتب منه نسخ حسن بحسن خط ورجع إلى بيته وهو يكررها ويقرأها ويعلمها المرضى ولم يشتغل بشربها واستعمالها ، أفترى أن ذلك يغني عنه من مرضه شيئا ؟ هيهات لو كتب منه ألف نسخة وعلّمه ألف مريض حتى شفي جميعهم ، وكرره كل ليلة ألف مرة لم يغنه ذلك من مرضه شيئا إلى أن يزن الذهب ويشتري الدواء ويخلطه كما تعلّم ، ويشربه ويصبر على مرارته ويكون شربه في وقته وبعد تقديم الاحتماء وجميع شروطه ، وإذا فعل جميع ذلك كله فهو على خطر من شفائه ، فكيف إذا لم يشربه أصلا ؟ وهكذا الفقيه إذا أحكم علم الطاعات ولم يعمل بها ، وأحكم علم المعاصي الدقيقة والجليلة ولم يجتنبها ، وأحكم علم الأخلاق المذمومة وما زكى نفسه منها ، وأحكم علم الأخلاق المحمودة ولم يتصف بها فهو مغرور في نفسه مخدوع عن دينه إذ قال اللّه ( تعالى ) : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها « 1 » ولم يقل أفلح من تعلم كيفية تركيبها ، وكتب علمها وعلمها الناس وعند هذا يقول له الشيطان : لا يغرنك هذا المثال ، فإن العلم بالدواء لا يزيل المرض ، وأما أنت فمطلبك القرب من اللّه ( تعالى ) وثوابه ، والعلم يجلب الثواب ويتلو عليه الأخبار الواردة في فضائل العلم ، فإن كان المسكين معتوها مغرورا وافق ذلك هواه فاطمأن إليه وأهمل العمل ، وإن كان كيسا فيقول للشيطان : أتذكرني في فضائل العلم وتنسيني ما ورد في العالم الذي لا يعمل بعلمه كقوله ( تعالى ) في وصفه مشيرا إلى بلعم بن باعورا الذي كان

--> ( 1 ) - الشمس : 9 .