ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )

659

المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر

بإحسان اللّه وإنعامه ، ولهذا المعنى قال ( تعالى ) : وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ ومن تمام كرامته على اللّه أن وصف نفسه بالإكرام متى خلقه وعلمه ما لم يعلم فقال : اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ، ثم وصف نفسه بالتكريم عند تربيته فقال وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ ثم وصف نفسه بالكريم في آخر أحوال الإنسان فقال : يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ « 1 » وهذا يدل على أن لا نهاية لكرمه وفضله مع الإنسان . الوجه الحادي عشر : قال بعضهم : معنى هذا التكريم أنه ( تعالى ) خلق آدم بيده وخلق غيره بكن فيكون ، ومن كان مخلوقا بيده الكريمة العالية كانت العناية به أتم وكان أكرم وأكمل ، وكذا يكون بنوه وذريته أكمل من غيرهم ، ويدل أيضا على غاية التكريم تتمة الآية وهو قوله ( تعالى ) : وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ، قال ابن عباس : في البر على الخيل والبغال والحمير والإبل وفي البحر على السفينة ، وهذا أيضا من مؤكدات التكريم المذكور أولا لأنه ( تعالى ) سخّر هذه الدواب له ليركبها ويحمل عليها ويكتسب بها ما يختص به ابن آدم ، وكل ذلك يدل على أن الإنسان في هذا العالم كالرئيس المتبوع والملك المطاع وكل ما سواه من المخلوقات كالرعية والعبيد له ، ثم أوضح ذلك التكريم بما خص ابن آدم من المدائح والمنائح بقوله ( تعالى ) : وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وذلك لأن الأغذية إما حيوانية وإما نباتية ، والإنسان يغتذي بألطف كلا القسمين وأشرف أنواعهما بعد اللذة التامة والطبخ الكامل والنضج النافع « 2 » وذلك مما لا يحصل إلّا للإنسان ، وقوله ( تعالى ) : وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا « 3 » وقال ( تعالى ) في أول الآية وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وقال في آخرها وَفَضَّلْناهُمْ ولا بد من الفرق بين هذا التكريم والتفضيل والإكرام والتكريم ، والأقرب أن يقال : انه ( تعالى ) فضل الإنسان على سائر الحيوانات بأمور خلقية طبيعية ذاتية مثل العقل والنطق والصورة الحسنة والقامة المديدة ، ثم إنه ( تعالى ) عرضه بواسطة ذلك العقل لاكتساب العقائد الحقة والأخلاق الفاضلة ، فالأول هو التكريم ، والثاني هو التفضيل ، وقوله ( تعالى ) : وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ ولم يقل على الكل فهذا يدل على أنه حصل في مخلوقات اللّه شيء لا يكون الإنسان مفضلا عليه ، وكل من أثبت هذا القسم قال أنه هو الملائكة ، فلزم القول بأن الإنسان

--> ( 1 ) - الانفطار : 6 . ( 2 ) - خ ل : اليانع . ( 3 ) - الاسراء : 70 .