ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )
657
المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر
وقال : صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً « 1 » وإن شئت فتأمل عضوا واحدا من أعضاء الإنسان وهو العين ، فإنه خلق الحدقة سوداء ثم أحاط بذلك السواد بياض الأجفان ، ثم خلق فوق بياض الجفن سواد الحاجبين ، ثم خلق فوق ذلك السواد بياض الجبهة ، ثم خلق فوق بياض الجبهة سواد الشعر ، فليكن هذا المثال الواحد نمودارا لك في هذا الباب . الوجه الخامس : قال بعضهم : من كرامات الآدمي أن أتاه الخط ، وتحقيق الكلام في هذا الباب أن العلم الذي يقدر الإنسان الواحد على استنباطه يكون قليلا وأما إذا استنبط ذلك الواحد علما وأودعه في الكتاب ، وجاء الإنسان الثاني فاستعان بذلك الكتاب ، وضم إليه من عند نفسه أشياء أخرى ، ثم كذلك الذين يتعاقبون ، ويضم كل متأخر مباحث كثيرة إلى علم المتقدمين كبرت العلوم وقويت الفضائل والمعارف ، وانتهت المباحث العقلية والمطالب الشرعية إلى أقصى الغايات وأكمل النهايات ومعلوم أن هذا الباب لا ينال إلّا بواسطة الخط والكتبة ، ولهذه الفضيلة الكاملة قال ( تعالى ) : وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ « 2 » الوجه السادس : أن أجسام هذا العالم إما البسائط وإما المركبات ، أما البسائط وهي الأرض والماء والهواء والنار والإنسان ينتفع بكل هذه الأربعة ، وأما الأرض فهي له كالأم الحاضنة كما قال ( تعالى ) : مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى « 3 » وقد سماها ( تعالى ) بأسماء بالنسبة إلينا وهي : المهد والفراش والمهاد ، وأما الماء فانتفاعاته في الشرب وفي الزراعة وغيرهما ظاهر ، وأيضا سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا « 4 » وأما الهواء فهو مادة حياتنا ، ولولا هبوب الريح لاستولى على هذه المعمورة ، وأما النار فبها طبخ الأغذية والأشربة وهي قائمة مقام الشمس والقمر في الليالي المظلمة وفي دفع البرد عنا كما قيل ، ومن برد في الشتاء فالنار فاكهته ، وأما المركبات فهي إما آثار العلوية وإما المعادن وإما النبات وإما الحيوان والإنسان كالمستولي على كل هذه
--> ( 1 ) - البقرة : 138 . ( 2 ) - العلق : 3 - 5 . ( 3 ) - طه : 55 . ( 4 ) - النحل : 14 .