ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )
655
المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر
الحجة الثانية : أن الولي إنما يصير وليّا لأجل أن الحقّ يحبه لا لأجل أنه يحب الحق ، وكذلك القول في العدو ، ثم أن محبة الحق وعداوته سرّان لا يطلع عليهما أحد ، وطاعات العباد ومعاصيهم لا تؤثر في محبة الحق وعداوته ، لأن الطاعات والمعاصي محدثة متناهية وصفات الحقّ قديمة غير متناهية ، والمحدث المتناهي لا يصير غالبا للقديم غير المتناهي ، وعلى هذا التقدير فربما كان العبد في الحال في عين المعصية إلّا أن يصيبه من الأزل غير المحبة ، وربما كان في الحال في عين الطاعة ، ولكن يصيبه من الأزل عين العداوة ، وتمام التحقيق ، أن محبته وبغضه وصفته وصفة الحق غير معللة ، ومن كانت محبته لا لعلة فإنه يمتنع أن يصير عدوّا بقلة المعصية ، ومن كانت عداوته لا لعلة يمتنع أن يصير محبّا لعلة ، وربما كانت محبة الحق وعداوته سرّا لا يطلع عليه ، لا جرم قال عليه السّلام : تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ « 1 » . الحجة الثالثة : أن يعلم بكونه وليّا وبكونه من أهل الجنة والثواب فيتوقف على الخاتمة ، ويدل عليه قوله ( تعالى ) : مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ « 2 » ولم يقل من عمل حسنة ، وهذا يدل على أن استحقاق الثواب مستفاد من الخاتمة لا من أول العمل . والذي يؤكد ذلك أن من مضى عمره في الكفر ثم أسلم في آخر الأمر كان من أهل الثواب وبالضد ، وهذا يدل على أن العبرة الخاتمة لا بأول العمل ، ولذلك قال اللّه ( تعالى ) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ « 3 » وإذا ثبت وتحقق أن العبرة في الولاية والعداوة وكونه من أهل الثواب أو العقاب . الخاتمة ، ومعلوم أن الخاتمة غير معلومة لأحد ، فوجب القطع بأن الولي لا يعلم كونه وليّا ، وأما الذين قالوا إن الولي قد يعرف كونه وليّا فقد احتجوا بأن الولاية لها ركنان ، أحدهما : كونه في الظاهر منقادا للشريعة ، والثاني : كونه في الباطن مستغرقا في نور الحقيقة ، فإذا حصل الأمران وعرف الإنسان حصولهما عرف لا محالة كونه وليّا ، أما الانقياد في الظاهر للشريعة فظاهر وأما استغراق الباطن في نور الحقيقة فهو أن يكون فرحه بطاعة اللّه واستئناسه بذكر اللّه وأن لا يكون له استقرار مع شيء سوى اللّه ، والجواب أن مداخل الأغلاط في هذا الباب كثيرة غامضة والقضاء عسر والتجربة خطر والجزم غرور ، ودون الوصول إلى عالم الربوبية استتار تارة من النيران وتارة من الأنوار ، واللّه العالم بحقائق الأسرار .
--> ( 1 ) - المائدة : 116 . ( 2 ) - الانعام : 160 . ( 3 ) - الأنفال : 38 .