ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )
636
المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر
وجهها كلّ شيء فنظرت إليه فأدبرت وهي تقول : أنت لا ترغب فينا ، ثم قالت بصوت ما سمعت نغمة أشجى ولا أحزن منها . مقيم للجليل بكلّ قلب * على الرضراض للخطر العظيم فظننت أنّها تعنيني ، وكان علي بن سهل يقول : ليس موتي كموتكم بأعلال وأسقام ، انّما هو دعاء وإجابة أدعي وأجيب ، فكان كما قال ، كان يوما قاعدا في جماعة فقال : لبّيك ، ووقع ميتا رحمه اللّه ، فهكذا كانت سيرة السلف الصالحين في مرابطة النفس ومراقبتها ، فمنهما تمرّدت نفسك عليك وامتنعت من المواظبة على العبادة فطالع أحوال هؤلاء فإنّه قد عزّ الآن وجود مثلهم ، ولو قدرت على مشاهدة من يقتدي بهم فهو أنجع في القلب ، وإذا أعجزت عن هذا فلا تغفل عن سماع أحوال هؤلاء ، فإن لم تكن إبل فمعزى ، وخيّر نفسك بين الاقتداء بهم وهم العقلاء والحكماء وذو البصائر في الدين ، وبين الاقتداء بالجهلة الغافلين من أهل عصرك ، ولا ترض لها أن تنخرط في سلك الحمقى ، فإن حدّثتك نفسك بأنّ هؤلاء رجال أقوياء لا يطاق الاقتداء بهم فطالع أحوال النساء المجتهدات وقل لها : ألا تستنكفي يا نفس أن تكوني أقلّ من امرأة ، فأحسن برجل يقصر عن امرأة في أمر دينها ودنياه . ولنذكر الآن نبذة من أحوال المجتهدات : فقد روي عن حبيبة العدوية أنّها كانت إذا صلّت العتمة قامت على سطح لها وشدّت عليها درعها وخمارها ثمّ قالت : إلهي قد غارت النجوم ونامت العيون وغلقت الملوك أبوابها وخلا كلّ حبيب بحبيبه ، وهذا مقامي بين يديك ، ثمّ تقبل على صلاتها فإذا كان السحر وطلع الفجر قالت : إلهي هذا الليل قد أدبر وهذا النهار قد أسفر فليت شعري أقبلت منّي ليلة فأهنأ ، أم رددتها عليّ فأعزى ، وعزّتك لهذا دائي ودائك ما أبقيتني ، وعزّتك لو انتهرتني عن بابك ما برحته لما وقع في نفسي من جودك وكرمك . أتى رجل إلى رابعة العدوية فقال لها : إني قد أكثرت من الذنوب والخطايا ، أفتراني إن تبت يقبلني ؟ فقالت : ويحك أما سمعته يدعو المدبرين عنه ؟ فكيف لا يقبل المقبلين إليه . ويروى من عجردة أنّها كانت تحيي الليل وكانت مكفوفة البصر ، فإذا كان في السحر نادت بصوت لها محزون : إليك قطع العابدون دجى الليالي يستبقون إلى رحمتك وفضل مغفرتك ، فبك يا إلهي أسألك لا بغيرك أن تجعلني في أوّل زمرة