ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )

629

المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر

دخل في الصلاة يسمع لصدره أزيز كأزيز المرجل . وقال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « من قال لا إله إلّا اللّه مخلصا دخل الجنّة » ، ومعنى الاخلاص أن يخلص قلبه للّه فلا يبقى فيه شرك لغير اللّه ، فيكون اللّه محبوب قلبه ومعبود قلبه ومقصود قلبه فقط ، ومن هذا حاله فالدنيا سجنه لأنّها مانعة له عن مشاهدة محبوبه ، وموته خلاص من السجن وقدوم على المحبوب ، وإنّما تحصل هذه المرتبة من حبّ اللّه بشيئين : أحدهما قطع علائق الدنيا وإخراج حبّ غير اللّه من القلب مثل الإناء لا يتّسع للخل مثلا ما لم يخرج منه الماء ، وكمال الحبّ أن يحبّ اللّه لكلّ قلبه ، وما دام يلتفت إلى غيره فزاوية من قلبه مشغولة بغيره ، فبقدر ما يشغل بغير اللّه ( تعالى ) ينقص منه حبّ اللّه ( تعالى ) ، فأحد أسباب ضعف حبّ اللّه ( تعالى ) في القلوب قوّة حبّ الدنيا ، ومنه حبّ الأهل والمال والولد والأقارب والعقار والدواب والبساتين والمتنزّهات ، حتّى أنّ المتفرّج بطيب أصوات الطيور وروح نسيم الأسحار ملتفت إلى نعيم الدنيا . الثاني : قوّة معرفة اللّه ( تعالى ) واتّساعها واستيلائها على القلب ، ولا تحصل هذه المعرفة بعد انقطاع شواغل الدنيا من القلب إلّا بالفكر والذكر الدائم والجد البالغ في الطلب ، والنظر المستمرّ في اللّه وفي صفاته وملكوت سماواته وسائر مخلوقاته . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « يؤتى يوم القيامة بناس إلى الجنّة حتّى إذا دنوا منها واستنشقوا رائحتها ونظروا إلى قصورها وإلى ما أعدّ لأهلها نودوا أن اصرفوهم عنها لا نصيب لهم فيها ، فيرجعون بحسرة ما رجع الأوّلون بمثلها فيقولون : يا ربّنا لو أدخلتنا النار قبل أن ترينا ما أريتنا من ثوابك وما أعددت فيها لأوليائك : كان أهون علينا . فيقول : ذلك أردت بكم ، كنتم إذا خلوتم بارزتموني بالعظائم وإذا لقيتم الناس لقيتموني مخبتين تراؤون الناس بخلاف ما تعطوني من قلوبكم ، هبتم الناس ولم تهابوني ، وأجللتم الناس ولم تجلّوني وتركتم للناس ولم تتركوا لي « 1 » أذيقكم العذاب مع ما حرمتكم من الثواب المقيم » . واعلم أنّ النار خلقها اللّه ( تعالى ) باهلالها وخلق لها أهلها يزيدون ولا ينقصون ، وأنّ هذا أمر قد قضي وفرغ منه ، فإن قلت : فليت شعري ما ذا موردي وإلى ما ذا مآلي ومرجعي ، وما الذي سبق به القضاء في حقّي ؟ ولك علامة تستأنس بها ويصدق رجاك بسببها وهو أن تنظر إلى أحوالك وأعمالك ، فإن كلّا ميسر لما خلق له ، فإن كان يسر لك

--> ( 1 ) - خ ل : وتزكيتم للناس ولم تزكوا لي .