ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )
626
المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر
الحقّ والانقياد له ، وقال اللّه ( تعالى ) : سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ « 1 » قيل في التفسير : سأرفع فهم القرآن عن قلوبهم ، وفي بعض التفاسير سأحجب قلوبهم عن الملكوت . سأل ثابت بن قيس بن شماس فقال : يا رسول اللّه إنّي امرؤ قد حبب إليّ من الجمال ما ترى ، أفمن الكبر هو ؟ قال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « لا ولكن الكبر من بطر الحقّ وغمض الناس - أي ازدراهم وحقّرهم واستخدمهم - وهم عباد اللّه أمثاله أو خير منه » . فائدة : العلماء والعباد في آفة الكبر على ثلاث درجات : الأولى أن يكون الكبر مستقرّا في قلبه يرى نفسه خيرا من غيره ، إلّا أنّه يجتهد فيتواضع ويفعل فعل من يرى غيره خيرا منه ، وهذا قد رسخ في قلبه شجرة الكبر ولكنه قطع أغصانها بالكلية . الثانية : أن يظهر ذلك على أفعاله بالترفّع في المجالس والتقدّم على الأقران وإظهار الإنكار على من يقصر في حقّه ، وأدنى ذلك في العالم أن يصعّر خدّه للناس كأنّه معرض عنه ، وفي العابد أن يعبس وجهه ويقطب جبينه كأنّه متنزّه عن الناس ، وليس يعلم المسكين أنّ الورع ليس في الجبهة حتّى تقطب ، ولا في الوجه حتّى يعبس ، ولا في الخدّ حتّى يصعّر ، ولا في الرقبة حتّى تطأطأ ، ولا في الذيل حتّى يضمّ إنما الورع في القلوب . الثالثة : أن يظهر على لسانه حتّى يدعوه إلى الدعوى والمفاخرة والمباهاة وتزكية النفس والتشمّر لغلبة الغير في العلم والعمل ، كأن يقول العابد : إنّي لم أفطر منذ كذا ، ولا أنام الليل . وفلان ينام سحرا ، ولا يكثر القراءة وما يجري مجراه ، وقد يزكّي نفسه ضمنا فيقول : قصدني فلان فهلك ولده وأخذ ماله أو مرض أو ما يجري مجراه ادّعى الكرامة لنفسه ، وأمّا مباهاته فهو أنّه لو وقع مع قوم يصلّون بالليل قام وصلّى أكثر ممّا كان يصلّي وإن كانوا يصبرون على الجوع تكلّف الصبر عليه ليغلبهم ويظهر لهم قوته وعجزهم ، كذلك يشتدّ في القتال خوفا من أن يقال غيره أعبد منه أو أقوى منه في دين اللّه ، وأمّا العالم فإنّه يتفاخر ويقول : أنا متقن في العلوم ومطّلع على الحقائق ، ورأيت من الشيوخ فلانا وفلانا ، ومن رأيت وما فضلك ومن لقيته ، وأمّا مباهاته فهو أن يجتهد في المناظرة أن يغلب ولا يغلب ، ويسهر طول الليل والنهار في تحصيل علوم يتحمّل بها في المحافل والجدل وتحسين العبارة وحفظ العلوم الغريبة ، فهذا كلّه أخلاق الكبر ، فليت
--> ( 1 ) -