ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )

608

المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر

الظن به لوثقت بوعده واطمأننت بقوله ، بل لو عاملت كافرا مستورا بظاهره وعفيفا في معاملته لكنت لا تتهمه في مواعيده كما أشار إليه قول عليّ عليه السّلام فيما ينسب إليه : أتطلب رزق اللّه من عند غيره * وتصبح من خوف الحوادث آمنا وترضى بصراف وإن كان كافرا * ضمينا ولا ترضى بربّك ضامنا فكيف بالملك الحق الذي لا يجوز عليه الكذب ولا خلف الوعد ، فأيّ فضيحة أفضح من فضيحة من جاهره باتهامه ؟ وأيّ مصيبة أعظم من لم يبلغ الإيمان على وجه تمامه ؟ فإن قال : إنّه صحيح الإيمان كامله ، قلنا : فسعيه للدنيا حينئذ جنون محض ، كما قال ابن الرومي : جرى قلم القضاء بما يكون * فسيان التحرك والسكون جنون منك أن تسعى لرزق * ويرزق في غشاوته الجنين عاشرها : أنّ فراق ما تجمع من الدنيا واقع لا محالة إمّا من جانب المجموع أو من جانب الجامع . وقال الحسن : إن بقيت لك الدنيا لم تبق لها ، واقتضت حكمة اللّه ( تعالى ) البالغة تغيب الآجال عن أربابها ليكون الموت متوقع الهجوم في كلّ نفس ولمحة وطرفة ، فعلم الأكياس أنّ من حق ما هو كذلك أن يستعد لوصوله ولم يخدعهم لموع سراب الأمل والأماني ولم يغررهم خدوع ظاهر زينة ما هو باطل في الحقيقة وفان ، وأيّ عيش يطيب وليس للموت طبيب إذا المرء يجري من الزمان إلى غاية ينتهي مدّة أجله وتنطوي على ما أسلف فيها صحيفة عمله ، فالسعيد من أخذ نفسه لنفسه وقاس يومه بأمسه حذرا أن يستوفي الأجل قبل أن يتمم العمل . وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في بعض خطبه : « أيّها الناس ، إنّ الأيّام تطوى والأعمار تفنى والأبدان في الثرى تبلى ، وإنّ الليل والنهار يتراكضان كتراكض البريد يقربان كلّ بعيد ويخلقان كلّ جديد ، وفي ذلك عباد اللّه ما ألهى عن الشهوات ورغب في الباقيات الصالحات » . وقال أيضا في خطبة أخرى : « إنّ المؤمن بين مخافتين : أجل قد مضى لا يدري ما اللّه صانع فيه ، وأجل قد بقي لا يدري ما اللّه قاض فيه ، فليتزوّد العبد من نفسه لنفسه ، ومن دنياه لآخرته ، ومن الحياة قبل الممات ، فإنّ الدنيا خلقت لكم وأنتم خلقتم لها ، فوالذي نفس محمّد بيده ما بعد الموت من مستعتب وما بعد الدنيا دار إلّا الجنّة أو النار » .