ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )

606

المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر

جعلها ( تعالى ) بأيدي جميع المخلوقين وديعة مأذونا في استعمالها والانتفاع بها من غير إسراف ، كما قال الشاعر : وما المال والأهلون إلّا وديعة * ولا بدّ يوما أن تردّ الودائع وقد ضرب بعض الحكماء لذلك مثلا فقال : إنّ مثل الدنيا فيما يناله كلّ أحد من أعراضها مثل رجل دعا قوما إلى داره فأخذ طبق ذهب عليه بخور ورياحين ، وكان إذا دخل أحدهم تلقاه به ودفعه إليه لا يستملكه بل يشمه ويدفعه إلى من يجيء بعده ، فمن كان جاهلا برسومه ظنّ أنّ قد وهب له فيضجر إذا استرجع منه ومن كان عارفا برسومه أخذه بشكر ورده بانشراح صدر ( انتهى ) . فحصولها لواحد محال وطلبه جهل ، قال ( تعالى ) : مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها « 1 » . حكى أحمد بن سعيد بن كريم الملك أنّه عزم على خدمة الملك المعز فروخ شاه فرأى في النوم هاتفا ينشد هذه الأبيات : يا احمد اقنع بالذي أوتيته * إن كنت لا ترضى لنفسك ذلّها ودع التكاثر في الغنى لمعاشر * أضحوا على جمع الدراهم ولّها واعلم بأنّ اللّه ( جلّ جلاله ) لم يخلق الدنيا لأجلك كلّها ، وأمّا إرادة بعضها فمما لا ينبغي أن يتصف به عاقل لأنّ اللّه ( تعالى ) وصف الدنيا بالقلة فقال : قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ « 2 » ، وما عسى أن يكون ذلك البعض بالغا ما بلغ من جنب هذا القليل من كثرة شركائه فيه وتجاوزهم عن الحصر على ما فيه من لذّات تفنى وتبعات تبقى وهموم تزيد وأفراح تبيد ، وقد قيل : ألم تدر أنّ الدهر يهدم ما بنى * ويأخذ ما أعطى ويفسد ما أسدى فمن سرّه أن لا يرى ما يسوؤه * فلا يتخذ شيئا يخاف له فقدا وما قدر هذا النزر اليسير الحقير حتى تتعب فيه بدنك طالبا وتصرف إليه قلبك راغبا وتكون به عن الآخرة جانبا ويصير لك من اللّه حاجبا ، فلا فخر إلّا كونك للزهد مواظبا وإلى اللّه ذاهبا وفيه راغبا ومنه إليه هاربا . ثامنها : أن بين الدنيا والآخرة تضادّا فلا يجتمعان أصلا ، قال وهب بن منيه : مثل

--> ( 1 ) - الشورى : 20 . ( 2 ) - النساء : 77 .