ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )

597

المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر

الثامنة : الاستدراج ، وهو أن يصوغ لغرضه ، ألفاظا تكسوها من النظافة ما يخدع بها الألباب وهو الركن الأعظم في هذه الصناعات ، وفي القرآن منه مواضع كثيرة منها : وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ « 1 » ، فإنّه لّما أراد أن ينقل قومه من أرضهم إلى غيرها أسمعهم ما سرّهم ثمّ استدرجهم إلى مطلوبه ، وهو قوله : يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ « 2 » . التاسعة : المبادئ وتسمّى براعة الإستهلال ، وهو أن يجعل أوّل كلامه دالّا على المقصود ، فيجعل التحميد والدعاء مشعرا بذلك كقول الفقيه : الحمد للّه الذي وفّق للتفقه في الدين من اختاره من العباد ، وكقول النحوي : الحمد للّه الذي رفع من انخفض لجلاله ، وكقولي في أوّل ديباجة هذا التأليف : الحمد للّه الذي وعظنا بالناطق والصامت لننزجر بهما عن ارتكاب السيئات . العاشرة : التخلّص ، وهو أن يجعل بين المعنى الذي ينتقل عنه والذي ينتقل إليه تعلقا وارتباطا بحيث يكون الكلام المشتمل على المعاني المتعددة كالمنتظم في سلك واحد كقصة إبراهيم عليه السّلام في سورة الشعراء ، فإنّ فيها من التخلص ما يدهش العقول ويطرب الفحول . ومنه قول أبي تمام في قومس : قومي وقد أخذت منا السرى * وخطي المهرية القود مطلع الشمس تبغي أن تؤم بنا * فقلت كلا ولكن مطلع الجود أراد بقوله قومس : بلدة يقال لها دامغان ، والسرى : السير بالليل ، وأراد بالمهرية : الإبل المنسوبة إلى مهر بن جندان أبي قبيلة ، والقود : الطويلة الظهور والأعناق جمع أقود ، أي أثرت فينا مزاولة السرى ومسايرة المطايا بالخطى ، وفي القرآن منه شيء كثير . فهذه العشرة هي قواعد أصول الكتابة فمن أدركها استحقّ اسم الكاتب والمنشيء ، وللكتاب مقالات مستملحة تدلّ على فضلهم وتوقد فطنتهم ، منها ما حكي أنّ الصاحب بن عباد ( ره ) كان من أفضل أهل عصره أدبا وملاحة ، وكان كثيرا ما يستعمل ملح التصحيف فمرّ يوما في موضع يباع فيه الخبز والحليس فرأى هناك جارية من أحسن الناس وجها وأقلّهنّ حياء وكان معه جماعة من أصحابه فأقبل علي بن عمار وقال له الخبازين فقال ابن عمار : يا مولاي والحياسين فلم يفهم الحاضرون مرادهما ، وعلموا

--> ( 1 ) - المائدة : 20 . ( 2 ) - المائدة : 21 .