ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )
55
المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر
لا يعنيه ، فإنه وان لم يأثم فقد خسر حيث فاته الربح العظيم بذكر اللّه ، فإن المؤمن لا يكون صمته إلّا فكرا ونظره إلّا عبرا ونطقه إلّا ذكرا ، هكذا قال النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . بل رأس مال العبد أوقاته ومهما صرفه إلى ما لا يعنيه ولم يدخر بها ثوابا في الآخرة فقد ضيّع رأس ماله . إلى إن قال : وإنما مثال ما لا يعني ما روي أن لقمان عليه السّلام دخل على داود وهو يسرد درعا فجعل يتعجب مما يرى ، فأراد أن يسأله عن ذلك فمنعته حكمته فأمسك نفسه ولم يسأله فلما فرغ قام داود فلبسها ثم قال : نعم الدرع للحرب ، فقال لقمان : الصمت حكمة وقليل فاعله ، أي حصل العلم به من غير سؤال فاستغنى عن السؤال . وقيل : كان يتردد إليه سنة وهو يريد أن يعلم ذلك فلم يسأله ، فهذا وأمثاله من الأسئلة إذا لم يكن فيه ضرر وهتك ستر وتوريط في رياء وكذب فهو مما لا يعني وتركه من حسن الإسلام ، فهذا حدّه وأما سببه الباعث عليه فالحرص على ما لا حاجة به إليه أو بالمباسط بالكلام على سبيل التردد أو توجيه الوقت ، بحكايات أحوال لا فائدة فيها ، وعلاج ذلك كله أن يعلم أن الموت بين يديه وأنه مسائل عن كل كلمة ، وأن أنفاسه رأس ماله ، وأن لسانه شبكة يقدر بها على أن يقنص الحور العين ، فإهماله وتضييعه خسران مبين . وروي أيضا في آداب الأسفار ، وقد تقدم مثله غير أن فيه زيادة عن لقمان عليه السّلام أنه قال لابنه : إذا سافرت مع قوم فأكثر استشارتهم في أمرك وأمورهم وأكثر التبسم في وجوههم ، وكن كريما على زادك ، وإذا دعوك فأجبهم وإذا استعانوك فأعنهم ، وأغلبهم بثلاث : طول الصمت ، وإكثار الصلاة ، وسخاء النفس بما معك من دابة أو مال أو زاد ، وإذا استشهدوك على الحق فاشهد لهم ، واجهد رأيك ولا تجب في مشورة حتى تقوم فيها ، وتقعد وتنام وتأكل وتصلّي وأنت مستعمل فكرك ، وإذا رأيت أصحابك يمشون فامش معهم وإذا رأيتهم يعملون فاعمل معهم ، وإذا تصدقوا وأعطوا فأعط معهم ، واسمع ممن هو أكبر منك ، وإذا تحيرتم في الطريق فقفوا وتوامروا وإذا رأيتم شخصا واحدا فلا تسألوه عن طريقكم ولا تسترشدوه ، فإن الشخص الواحد في الفلاة مريب لعله أن يكون عينا لللصوص أو أن يكون هو الشيطان الذي حيّركم ، واحذروا الشخصين أيضا إلّا أن تروا ما لا أرى فإن العاقل أبصر بعينه شيئا عرف الحقّ منه ، والشاهد يرى ما لا يرى الغائب . يا بني وإذا جاء وقت الصلاة فلا تؤخرها لشيء ، صلّها واسترح منها فإنّها دين