ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )

499

المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر

وقال بعضهم : نعم الجليس الوحدة لا تسمع ما تكره ، ولا ترى ما لا تحب ، ولا تشتهي ما لا تراه ، ولا تتكلّم بما تندم عليه . وقال ذو النون : لم أر شيئا أبعث لطلب الخلاص من الوحدة ، لأنّه إذا خلا لم ير غير اللّه ( سبحانه ) ، فإذا لم ير غير اللّه لم يحركه إلّا حكم اللّه . ومن أحب الخلوة فقد تعلّق بعمود الإخلاص واستمسك بركن كبير من أركان الصدق ، وبالجملة فالعزلة بركتها معلومة الوجدان لا ينكرها إلّا من ضعف يقينه وعدم توكّله ، فربّما زين له الشيطان الخلطة وأمره بالمعاشرة لكلّ من يتوقّع منه أن يعطيه شيئا من حطام الدنيا ليصرفه على شهوات نفسه ، وربّما كان ذو صنعة فيترك صنعته وكسبه ، أو يكون من أهل البطالة والتعطيل ، ولم يكن من العلماء العاملين فيرمي كلّه على المسلمين ، فينبغي لمثل هذا أن ينظر إلى ما روي عن رسول ربّ العالمين فإنّه قال : « إنّ اللّه ( تعالى ) قد تكفّل لطالب العلم برزقه خاصّة عمّا ضمنه لغيره » بمعنى أنّ غيره يحتاج إلى السعي على الرزق بكسب مثل الصناعات أو التجارات أو غير ذلك ، ما عدا الطمع في أموال الناس حتّى يحصل غالبا ، وطالب العلم لا يكلفه بذلك بل يطلب العلم وكفاه مؤنة الرزق إن أحسن النيّة وأخلص العزيمة ، وعندي في ذلك من بركة التوكل عليه وكثرة نعمه على ما لو جمعته بلغ ما لا يعلمه إلّا اللّه ( تعالى ) من حسن صنع اللّه بي وجميل إحسانه إليّ وجزيل امتنانه لدي منذ اشتغلت بطلب العلم ، وهو مبادي عشر الأربعين بعد الألف إلى يومي هذا ، وهو منتصف شهر صفر سنة سبع وستين والف ، وبالجملة فليس الخبر كالعيان ، والأخبار المرويّة والآثار النبويّة التي وردت في التوكّل كثيرة لا يمكن ذكرها في هذه الرسالة . وروى الكلبي قال : إنّ آدم وحواء لّما أهبطا إلى الأرض كانا عريانين ، فلمّا رأى اللّه ( تعالى ) عري آدم وحواء أنزل من الجنّة ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين وأمر آدم أن يأخذ صوف الكبش فأخذه فغزلته حواء ونسجته هي وآدم ، فجعل منه آدم جبة لنفسه وجعل لحواء درعا وخمارا فلبساه ، وجاء جبرائيل بحبات من الشجرة التي أكل منها وعلمه الزرع والحرف كلّها وقال : يا آدم لا تأكل خبزا بزيت إلّا بعرق الجبين ، فينبغي لولده أن يتعلّموا الحرف ليستغنوا بها عن الطمع وأكل أموال الناس . نسأل اللّه أن يغنينا بفضله وجوده وأن يلهمنا التوكّل عليه وتفويض أمرنا إليه ، قال الشاعر :