ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )
489
المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر
الكلمات سكت ، ففكّرت في نفسي : يا نفس من الذي يناجي ربّه في هذه الليلة الظلماء ؟ فمشيت على أثر الصوت فإذا عليّ بن أبي طالب عليه السّلام قائم تحت شجرة نخلة وحبل مشدود على وسطه ورأس الحبل على النخلة وهو يزعزع من هيبة اللّه ، فأردت أن أسلّم عليه فوضع رأسه على السجدة وهو يقول إلهي إرحم عبدك الذليل البائس الفقير الوارد بابك المؤمل غفرانك المعتذر إليك من ذنبه المقرّ لك بجرمه ، ثمّ رفع رأسه وأخذ لحيته وقال : يا نفس اذكري وقوفك بين يدي الجبّار وتطلّع اللّه على الأبرار والفجّار والمذنب من يخاف من عقوبة النار ، والراجي يرجو رحمة الملك الجبّار . فلمّا تمّت هذه الكلمة سقط وخرّ مغشيّا عليه فقلت : إنّا للّه وإنّا إليه راجعون ، مات عليّ بن أبي طالب عليه السّلام . فدنوت من داره وقرعت الباب فخرجت فاطمة والحسن والحسين عليهم السّلام فقلت : رأيت أباكم في حائط بني نجران وهو يناجي ربّه كذا ، أظنّ أنّه قد فارق الدنيا . فقالت فاطمة عليها السّلام : لا تخف يا أبا الدرداء ، فإنّ له كلّ ليلة نوبة . فدخلت البيت وحملت كوز ماء وأعطته الحسن وقالت : اذهب إلى أبيك ، فقالت : يا أبا الدرداء اذهب ، فذهبت مع الحسن عليه السّلام ورفعت رأسه ووضعته على ركبتي ورششت الماء على وجهه ، فلمّا أفاق قلت : حقّ عليك أن تخاف اللّه وحقّ على اللّه أن لا يعذّبك ، فقال : يا أبا الدرداء الدنيا متاع قليل سريع الانقضاء ، لا ملامة على البكاء في طول عمرنا وإنّ الآخرة أزلية باقية ، والملامة على التقصير والمقام في النار كما قال اللّه ( تعالى ) : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا « 1 » ولست أدري أمن المتقين الناجين أم من المجرمين الهالكين ؟ هذه صفة أمير المؤمنين عليه السّلام مع تهجده وعبادته ، فكان حاله هذا فكيف حالنا ؟ الفصل الثالث ممّا ورد عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق عليهما السّلام عن أبي يحيى الواسطي عمّن ذكره أنّه قيل لأبي عبد اللّه عليه السّلام : أترى هذا الخلق كلّهم من الناس ؟ فقال : ألق منهم التارك للسواك والمتربّع في موضع الضيق ، والداخل فيما لا يعنيه ، والمماري فيما لا علم له ، والمستمرض من غير علّة ، والمتسق من غير
--> ( 1 ) - مريم : 72 .