ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )

462

المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر

يعوزك إلّا ما يكفيك ، فالحلال كثير وليس عليك أن تتنزّه عن باطن الأمور ، بل عليك أن تحترز ممّا تعلم أنّه حرام وتظنّ أنّه حرام ظنّا حصل من علامة ناجزة مقرونة بالمال ، أمّا المعلوم فظاهر وأمّا المظنون بعلامة فهو مال السلطان وعماله ومال من لا كسب له إلّا من النياحة أو بيع الخمر أو الربا أو المزامير حتّى علمت أن أكثر أمواله حرام قطعا فما تأخذه من يده وإن أمكن أن يكون حلالا نادرا فهو حرام لأنّه الغالب على الظنّ ، ومن الحرام المحض ما يؤكل من الأوقاف من غير شرط الواقف ، فمن لم يشتغل بالتفقّه فما يأخذه من المدارس حرام ، ومن ارتكب معصية تردّ بها الشهادة فما يأخذه باسم الصوفيّة من وقف أو مبرة حرام ، وأمّا الفرج فاحفظه عن كلّ ما حرّم اللّه وكن كما قال اللّه ( تعالى ) : وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ « 1 » ، ولا تسلى بحفظ الفرج بل بحفظ العين عن النظر وحفظ القلب عن الفكرة وحفظ البطن عن الشبهة وعن الشبع ، فإنّ هذه هي محرّكات الشهوة . وأمّا اليدان فاحفظهما عن أن تضرب بهما مسلما ، أو تناول بهما مالا حراما ، أو يؤذي بهما أحدا من الخلق أو تخون بهما في أمانة أو وديعة ، أو تكتب بهما ما لا يجوز النطق به ، فإنّ القلم أحدّ اللسانين ، فاحفظ القلم عمّا يجب حفظ اللسان منه . وأمّا الرجلان فاحفظهما عن أن تمشي بهما إلى حرام أو تسعي بهما إلى باب سلطان ، فالمشي إلى سلطان الظلم من غير ضرورة أو شفاعة في حقّ مؤمن أو لخلاص مسلم أو غير ذلك من المقاصد الشرعيّة الصحيحة ، فإن لم تنو مثل هذه وإلّا فالمشي إليهم تواضع وإكرام لهم ، وقد أمر اللّه ( تعالى ) بالإعراض عنهم وهو تكثير لسوادهم وإعانة على ظلمهم ، وإن كان ذلك لسبب طلب ما لهم فهو سعي إلى حرام . قال النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « من تواضع لغنيّ لغناه ذهب ثلثا دينه » هذا في غني صالح فما ظنّكم بالغني الظالم ؟ وبالجملة فحركاتك وسكناتك بأعضائك محصورة عليك فلا تحرّك شيئا منها في معصية اللّه أصلا واستعملها في طاعة اللّه . واعلم أنّك إن قصرت فإليك يرجع وباله ، وإن أثمرت فإليك تعود ثمرته واللّه غنيّ عن عملك ، وإنّما كلّ نفس بما كسبت رهينة ، وإيّاك أن تقول : إنّ اللّه كريم رحيم يغفر ذنوب العصاة ، فإنّ هذه كلمة حقّ لا يجوز أن يراد بها باطل وصاحبها إذا لم يقل هذا من حقيقة حاله يلقّب بالحماقة بتلقّب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم حيث قال : « الكيس من دان

--> ( 1 ) - المؤمنون : 5 .