ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )
298
المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر
أحد منهم فرأيت النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في المنام فقال : يا جعفر هات مسائلك ، فقلت : يا رسول اللّه ما التوحيد ؟ فقال : كل ما حكاه الوهم أو جلاه الفهم فاللّه ( تعالى ) بخلاف ذلك ، فقلت : ما العقل ؟ فقال : أدناه ترك الدنيا بما فيها وأعلاه ترك الفكر في ذات اللّه ، فقلت : ما التصوف ؟ فقال : الدعاء وكتمان المعاني . فقلت : ما الفقر ؟ فقال : سر من أسرار اللّه ( تعالى ) يودعه في شأن من عباده فإن كتمه كان من أهله وإن باح به نزع منه . وقال بعضهم : لا يكمل الرجل حتى يستوي في قلبه أربعة أشياء : المنع والعطاء والعز والذل ، فلمثل هذا الرجل يصلح لبذل الجاه والدخول فيما ذكرناه . وقال محمد بن واسع : أربع يمتن القلب : الذنب على الذنب وكثرة مناقسة النساء وهو حديثهن وملاحاة الأحمق تقول له ويقول لك ، ومجالسة الموتى قيل : وما الموتى ؟ قال : كل غنيّ مترف وسلطان جائر . اعلم يا أخي أن الناس ينقسمون في سعاداتها وشقاواتها أربعة أقسام : فمنهم سعداء في الدنيا والآخرة جميعا ، ومنهم أشقياؤهما جميعا ، ومنهم سعداء في الدنيا أشقياء في الآخرة ، ومنهم أشقياء في الدنيا سعداء في الآخرة ، فأما السعداء في الدنيا والآخرة جميعا فهم الذين وفر حظهم من الدنيا من المال والأمتعة والصحة ومكثوا فيها فاقتصروا منها على البلغة ، ورضوا بالقليل وقنعوا به ، وقدموا الفضل إلى الآخرة ذخيرة لأنفسهم ، كما ذكر اللّه بقوله : وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ « 1 » وقوله تعالى : وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً « 2 » وآيات كثيرة في القرآن في هذا المعنى ، وأما سعداء أبناء الدنيا وأشقياء أبناء الآخرة فهم الذين وفر حظهم من متاعها ومكثوا فيها وأترفوا فتمتعوا فيها وتنعموا وتلذذوا وتفاخروا وتكاثروا ولم يتعظوا بزواجر الشريعة ولم يأتمروا ولم ينقادوا غيروا حدوده وتجاوزوا المقدار وطغوا وبغوا وأسرفوا واللّه لا يحب المسرفين ، وهم الذين أشار إليهم بقوله ( عزّ وجلّ ) : أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ « 3 » وقال عزّ وجلّ : مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ « 4 » وآيات كثيرة في القرآن في وصف هؤلاء وأما أشقياء في الدنيا وسعداء في الآخرة فهم
--> ( 1 ) - البقرة : 110 . ( 2 ) - الكهف : 49 . ( 3 ) - الأحقاف : 20 . ( 4 ) - الشورى : 20 .