ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )

204

المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر

الأرض ما أنتم عليه من غرورها وهلموا إلى كرامتي ومصاحبتي ، ومجالستي ومؤانستي وانسوا بي أؤانسكم وأسارع إلى محبتكم . وأوحى اللّه إلى بعض الصديقين : أن لي عبادا من عبيدي يحبونني وأحبهم ، ويشتاقون إلي وأشتاق إليهم ، ويذكروني وأذكرهم ، فإن أخذت طريقتهم أحببتك وإن عدلت عنهم مقتك . قال : يا رب وما علامتهم ؟ قال : يراعون الظلال بالنهار كما يراعي الراعي الشفيق غنمه ، ويحنّون إلى غروب الشمس كما تحن الطيور إلى أوكارها عند الغروب فإذا جنّهم الليل واختلط الظلام وفرشت الفرش ونصبت الأسرة وخلا كل حبيب بحبيبه نصبوا إليّ أقدامهم وأفرشوا إليّ وجوههم وناجوني بكلامي وتملقوني بإنعامي ما بين صارخ وباك وبين متأوه وشاك وبين قائم وقاعد وبين راكع وساجد ، بعيني ما يتحملون من أجلي وبسمعي ما يشكون من حبّي ، أول ما أعطيتهم ثلاثا : أقذف من نوري في قلوبهم فيخبرون عني كما أخبر عنهم ، والثاني : لو كانت السماوات والأرضون وما فيها من مواريثهم لاستقللتها لهم ، والثالث : أقبل بوجهي عليهم ، أفترى من أقبل بوجهي عليه يعلم أحد ما أريد أن أعطيه ؟ وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم مخبرا عن ربّه : إنّ أفضل ما يتقرب به عبادي إليّ أداء ما افترضت عليهم ، فأخبر ( سبحانه وتعالى ) عباده أن تقربهم إليه بالعبادة ثم قربه منك ما خصك به من معرفته ومحبته وطاعته ، واعلم أن قربه من خلقه على ثلاثة أقسام : قرب عام وهو قرب العلم والقدرة والإرادة ، وهو قوله : ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ « 1 » . والثاني قرب الخاصة من المؤمنين وهو قرب الرحمة والبر واللطف وهو قوله ( تعالى ) : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ « 2 » . والثالث : قرب خاصة الخاصة من المقربين وهو قرب الحفظ والكلاءة والإجابة وذلك للأنبياء والمرسلين وهو قوله ( تعالى ) : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ « 3 » فالعبد له في قربه ثلاث مراتب ، القرب الأول : قرب الأبدان وهو العمل بالأركان الثاني : قرب القلب بالتصديق والإيمان والثالث : قرب الروح بالتحقيق والإحسان .

--> ( 1 ) - المجادلة : 7 . ( 2 ) - الحديد : 4 . ( 3 ) - ق : 16 .