ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )

151

المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر

نقبر فيهن موتانا : حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع ، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس ، وحين تضيق الشمس للغرب حتى تغرب . وقال النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « ثلاثة لا يكلمهم اللّه يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم : شيخ زان وإمام كذّاب وعائل مزهو » . ووجدت هذا الحديث بهذا اللفظ سوى لفظين وهما قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « وملك كذاب وعائل مستكبر » . وبيان ذلك أن نقول : الأول من هذه الثلاثة المذكورة : الشيخ الزاني إنما يكون الزنا في غلبة الشهوة عليه ومنازعتها إياه وضعفه عن مقاومتها والصبر عليها ، وإنما يكون ذلك في حال الشباب وحداثة السن وقوة الطبع وضعف العقل ورقة الحال وقلة العلم ، فتكون أسباب المعصية قوية وأسباب العصمة دونها . فتغلب العبد فيواقع المنهي عنه ، وأما الشيخ فيكون بخلاف هذه الأحوال ولا تكون له هذه الأعذار ، وقد تم عقله وقويت حاله وبلغ علمه وسكنت حدة شهوته وضعفت قوة طباعه وقويت فيه دواعي العقل وآلات الامتناع وضعفت آلات الهوى ودواعي الشهوة ، فارتكابه في هذا الحال ما نهى عنه من الزنا ليس إلّا شبه الاستخفاف بالدين وقلة المبالاة ورداءة الطبع وقسوة القلب ، وانطماس نور الهدى والانغماس في بحار الهوى وإعراضا عن رعاية حق خالق الورى ، فيجازيه في القيامة إن لم يكن سبقت له منه الحسنى ، فيعرض عنه في الآخرة كما أعرض العبد عنه في الدنيا . والثاني : الكذب إنما يكون في الإنسان لدفع مضرة أو لجلب منفعة فيما يخيل إليه يخاف شيئا مما يحبه أن يفوته أو يرجوه أن يصيبه ويخيل إليه أن أحدا من الناس يحجزه عنه أو يمنعه منه فيكذب رهبة من إنسان أو رغبة فيه ، والإمام ليس فوقه أحد من الناس يرجوه أو يخافه فلا عذر له في كذبه ، فكذبه لسوء طبعه واستخفافا بحق اللّه ( تعالى ) في الوقوف على حدوده ، فيجازيه ربه يوم لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرّا على سوء سيرته حيث ملكه اللّه ( تعالى ) ومكّنه من رفع كثير من المضار عن نفسه وجلب المنافع إليها بما خول من نعمته وآتاه من سلطانه . والثالث : الزهو وهو الترفع والتكبر والإزراء بمن دونه والاستخفاف بعباد اللّه ( تعالى ) ، ودواعي هذه الأشياء الاستغناء وقلة الحاجة والإمكان من بلوغ ما يتمناه ونيل ما يشتهيه وحاجة الناس إليه ورغبتهم فيه وخدمتهم إياه واستكانتهم له ، فتدعوه