ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )

134

المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر

وإذا فارق الروح الجسد فقد ألقت الجسد ما فيها وتخلت . واعلم أن أهوال القيامة الكبرى أعظم بكثير من أهوال هذه الصغرى ، وهذه أمثلة لأهوال تلك ، فإذا قامت عليك هذه بموتك فقد جرى عليك ما كأنه جرى على كل الخلق ، فهي أنموذج للقيامة الكبرى ، فإن حواسك إذا عطلت فكأنما الكواكب قد انتثرت ، إذ الأعمى يستوي عنده الليل والنهار ، ومن انشق رأسه فقد انشقت السماء في حقّه ، إذ من لا رأس له لا سماء له ، ونسبة القيامة الصغرى إلى القيامة الكبرى كنسبة الولادة الصغرى ، وهي الخروج من الرحم إلى فضاء الدنيا ، ونسبة سعة عالم الآخرة الذي يقدم عليه العبد بالموت إلى فضاء الدنيا كنسبة فضاء الدنيا إلى الرحم بل أوسع وأعظم مما لا يحصى . قولهم : إن سر الحقيقة مما لا يمكن أن يقال ، له محملان : أحدهما أنه مخالف لظاهر الشريعة في نظر الذهنا ، فلا يمكن قوله ، وعلى هذا جرى قول الإمام زين العابدين عليه السّلام : إنّي لأكتم من علمي جواهره * كي لا يرى الحق ذو جهل فيفتننا يا رب جوهر علم لو أبوح به * لقيل لي أنت ممن تعبد الوثنا ولا استحل رجال مسلمون دمي * يرون أقبح ما يأتونه حسنا وقد تقدم في هذا أبو حسن * إلى الحسين ووصّى قبله الحسنا الثاني : أن العبارات قاصرة عن أدائه غير وافية ببيانه ، فكل عبارة قريبة إلى الذهن من وجه أبعدته عنه من وجوه كلما أقبل فكري فيك شبرا فرّ ميلا ، وعلى هذا جرى قول بعضهم : وإن قميصا خيط من نسج تسعة * وعشرين حرفا من معاليك قاصر ومن هذا يظهر قولهم : إفشاء سرّ الربوبية كفر له محملان أيضا : فعلى المحمل الأول : يراد بالكفر ما يقابل الإسلام ، وعلى المحمل الثاني : يراد بالكفر ما يقابل الإظهار ، فإن الكفر في اللغة الستر ، ولهذا سمّي الزارع كافرا لأنه يغطي الحب ، فيكون معنى الكلام أن كلما يقال في كشف الحقيقة فهو سبب لا خفائها وستر لها في الحقيقة . قيل لبشر الحارث : ما أحسن بشرك وطلاقة وجهك للناس ، فقال : إنّهما تقومان على رخيصين : وقيل لأفلاطون : بما ينتقم الإنسان من حاسده وعدوه ؟ قال : بأن يزده في نفسه فضلا . وقيل : فيلسوف لفظ يوناني أصله فيلا وهو المحب ، وسوفا وهو الحكمة ، فركبا