ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )

130

المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر

الفضيل أنه كان إذا قرأها قال : ضجوا واللّه من الصغائر قبل الكبائر . « 1 » تجالس اثنان من أهل أصحاب القلوب ، فتذاكرا وتحادثا ساعة وبكيا ، فلما عزما على الافتراق قال أحدهما للآخر : إنّي لأرجو أن لا يكون جلسنا مجلسا أعظم بركة من هذا المجلس . فقال الآخر : لكنّي أخاف أن لا يكون جلسنا مجلسا أضر علينا منه . قال : ولم ؟ قال : ألست قصدت إلى أحسن حديثك فحدثتني به وقصدت أنا إلى أحسن حديثي فحدثتك به ؟ فقد تزينت لي وتزينت لك وهكذا كان ملاحظتهم . وقال الفخر الرازي في قوله ( تعالى ) : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ « 2 » إن الإنسان مخلوق من المني ودم الطمث ، وهما مولدان من الدم ، والدم إنما يتولد من الأغذية إما حيوانية وإما نباتية ، فإن كانت حيوانية فالحال في تولد ذلك الحيوان كالحال في تولد الإنسان ، فينبغي أن تكون نباتية ، فالإنسان مخلوق من الأغذية النباتية ، ولا شك أنها متولدة من الطين ، فيكون هو أيضا متولد من الطين . ذكروا أن من التجنيس التام هو قوله ( تعالى ) : وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ « 3 » وذكر ابن أبي الحديد في كتابه المسمى ب : « الفلك الدائر على المثل السائر » ينازع في هذا ويقول : إن المعنى واحد ، فإن يوم القيامة وإن طال فهو عند

--> ( 1 ) - الفضيل بن عياض الطالقاني القيديني الزاهد المشهور كان في أول أمره يقطع الطريق بين أبيورد وسرخس ، وعشق جارية فبينما يرتقي الجدران إليها سمع تاليا يتلو : أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ فقال : يا رب قد آن ، فرجع وأوى إلى خربة فإذا فيها رفقة ، فقال بعضهم : نرتحل ، وقال بعضهم : حتى نصبح فإن فضيلا على الطريق وأمنهم وتاب . وكان من السادات دخل على الرشيد فقال : ما أزهدك ؟ فقال الفضيل : أنت أزهد منّي ، قال : وكيف ؟ قال : لأني زهدت في الدنيا وهي فانية وأنت زهدت في الآخرة وهي باقية . ومن كلامه إذا أحب اللّه عبدا أكثر غمّه وإذا أبغضه وسّع عليه دنياه ، لو أن الدنيا تعرض عليّ بحذافيرها إلّا أحاسب عليها لكنت أتقذر منها كما يتقذر أحدكم من الجيفة أن تصيب ثوبه . وقال : ترك العمل لأجل الناس هو الرياء والعمل لأجل الناس هو الشرك . وقال : إني لأعصي اللّه ( تعالى ) فأعرف في خلق حماري لو كان لي دعوة مستجابة لم أجعلها إلّا في إمام لأنه إذا صلح الإمام صلحت البلاد والعباد . لأن يلاطف الرجل أهل مجلسه ويحسن خلقه معهم خير له من قيام ليله وصيام نهاره . قال أبو علي الرازي : صحبت الفضيل ثلاثين سنة ما رأيته ضاحكا ولا متبسما إلّا يوم مات ولده علي ، فقلت له في ذلك فقال : إن اللّه أحب لي أمرا فأحببته . ونسبته إلى طالقان وقندين قرية من مرو ، وأبيورد بلدة بخراسان ( راجع تاريخ ابن خلكان ) . ( 2 ) - الأنعام : 2 . ( 3 ) - الروم : 55 .