ابن رضوان المالقي

37

الشهب اللامعة في السياسة النافعة

وسيربط هذا كله بنماذج من التاريخ العام . انه يفعل هذا ليعين العقول على تفهم الاحكام السياسية . هل قرأ ابن خلدون هذا ؟ ، ان ابن رضوان قد وضع مادة النظرية مادة الأحكام . وضعها كمقدمات لفلسفة في التاريخ أو في علم الاجتماع السياسي . ولكنه لم يصل بحسم إلى النتائج ، إلى نظرية جديدة في العلم . وهي النظرية أو فلسفة الحكم التي ظفر بها ابن خلدون حين طبق منهج المسلمين الاستقرائي المستند على ترابط العلل ترابطا في مستقر العادة على حوادث التاريخ ، ورأى أزمان التاريخ وآناته تسير في حركة اطرادية واقعية حسية ، تتطور ولكنها تعود دائما إلى مركز واحد هو ما أسماه بالعصبية أو بالشوكة . كان خطأه الكبير أن تطور التاريخ السياسي عنده انما يتجه فقط نحو المتجانس ، لا نحو المتباين ان المجتمعات عنده تتطور ، وتتغير ، ولكن تطورها انما يتجه اتجاها أفقيا ، لا منحنيات فيه ، ولم يفرق بين النزوات الذاتية للأمم ولا الثورات الذاتية للجماعات ، كان يدرك فقط فكرة البنيان الثابت . انه أشار أحيانا إلى الصراع الداخلي للجماعات ، وإلى العوامل الباطنية التي تسيطر عليها . ولمقدمته أبنية أصولية وفقهية وكلامية ولغوية ، في حاجة إلى بحث أوسع وأشمل . ولكن لا يمكن فهم هذه الابنية الداخلية ، بدون أن نتفحص أصول نصوصه ومصادرها . وقد قلت من قبل في مقدمة بدائع السلك لابن الأزرق : ان بدائع السلك سيعيننا على تفهم التراث الخلدوني وتعمق معانيه وأقول الآن : ان كتاب الشهب اللامعة سيقوم هنا بنفس المهمة . وينبغي أن نلاحظ أن ابن رضوان قد استند بعمق على سراج الملوك للطرطوشي . فقد كان سراج الملوك منارا لكل من كتب بعده في علم السياسة ، ولكن سراج الملوك - وكما لاحظ الدكتور احسان عباس بحق - يقدم لنا خلال آرائه العميقة البارعة ، كثيرا من الوعظ . وقد عبرت أنا عن اتجاهه بعلم الاخلاق السياسي ولكن علم السياسة عند ابن رضوان يتجاوز هذا ، انه يرسم - كرجل دولة ولم يكن الطرطوشي كذلك - صورة تقترب من الواقعية الحسية التي كانت صبغة المسلمين في كل مظاهر حياتهم وبخاصة في الفقه . والفقه هو علم الاجتماع الحقيقي عند المسلمين . بل هو فلسفتهم الحقيقية ، فابن رضوان قد تجاوز المرحلة الأخلاقية المثالية - إلى حد ما - ليضع آراء حسية تبتعد إلى مدى عن المطلقات المجردة . وجاء ابن خلدون وسار بهذه الواقعية الحسية الفقهية إلى مداها ، متجاوزا الطرطوشي وابن رضوان . وكان لكتاب الشهب ميزة هامة في البحث العلمي في علم السياسة عند المسلمين . لقد حفظ لنا نصوصا مهمة عن كتابين من أهم الكتب في علم السياسة