ابن رضوان المالقي
34
الشهب اللامعة في السياسة النافعة
أنه كان حيا حين انتهى ابن رضوان من كتابه . وهنا نتساءل : لم طلب السلطان أبو سالم من كبير كتابه أن يضع له مجموعا في السياسة ، هل أحس السلطان بما يخبؤه الدهر من مآس انتهت بقتله ، مقتلة عنيفة ، بواسطة وزيره وزوج أخته عمر بن عبد اللّه الفودودي وكان هناك شاهد عيان هو ابن الأحمر يصف لنا قتله « وقتل رحمه اللّه تعالى ، وأنا أنظر إليه وأتوجع وأبكي » « 58 » . وكان أبو سالم اذن يتشوف إلى قانون سياسي يسير عليه ، ويحكم بمقتضاه . وقد كانت حياته كلها أعاصير وعواصف ومآس ومحن . ألجأه أخوه السلطان أبو عنان - بعد وفاة أبيه السلطان أبي الحسن ، وهو في السابعة عشرة من عمره - إلى الإقامة في غرناطة ، هو وأخوه محمد أبو الفضل ، ثم طلب من سلطان غرناطة أبي الحجاج ابن السلطان أبي الوليد أن يسلمهما إليه ( ليكون مقامهما لديه أحوط للكلمة من أن يعتمد تفريقهما سماسرة الفتن ) وخشي عليهما أبو الحجاج غائلته ، فأبى تسليمهما إليه فلما هدده أبو عنان ، أوعز إلى أبي الفضل باللحاق بطاغية الروم لكي يعاونه على محاربة أخيه ، فجهز له أسطولا ونزل بالمغرب ولكن أبا عنان تمكن من القضاء عليه وقتله « 59 » . أما أبو سالم فقد عاش مدة هادئا في رحاب الأمير النصري . ثم ما لبث أن ناله اعتقال من قبل الحاجب رضوان حاجب ابن الأحمر عام 759 ه وذلك ارضاء لأخيه أبي عنان . وحين توفي أبو عنان طلب أبو سالم من رضوان معاونته للعودة إلى المغرب ، ولكنه رفض . فما كان منه ( وقد حركه الاستدعاء وأقلقته الأطماع ) أن خرج من حضرة غرناطة ليلا من بعض مجاري المياه ، راكبا للخطر ، معرضا نفسه للتهلكة ، ولحق بملك قشتالة بإشبيلية مستنجدا ومستصرخا . وللمرة الثانية يلجأ ابن من أبناء أبي الحسن المريني الكبير إلى أعداء أبيهم وقاتل أمهاتهم في موقعة طريف ، يطلب منه العون والنجدة في سبيل استرداد ملكه . يقول ابن الخطيب ( وطرح عليه نفسه ، وعرض عليه مخاطبات استدعائه ) « 60 » ورأى صاحب قشتالة بطرة ابن الفنش أن الفرصة سانحة للمرة الثانية ، أن يتدخل في أحوال المغرب ، وأن يجد حليفا في
--> ( 58 ) ابن الأحمر : روضة النسرين ص 30 ( 59 ) ابن خلدون : تاريخ مجلد 7 ص 293 . ( 60 ) لسان الدين ابن الخطيب : الإحاطة ج 1 ( الطبعة الثانية ) 306