ابن رضوان المالقي

26

الشهب اللامعة في السياسة النافعة

لقيتهم بتونس عني ، ووصفوني له ، فكتب إلي الحاجب يستقدمني ، فقدمت عليه سنة خمس وخمسين ، ونظمني في أهل مجلسه العلمي ، والزمني شهود الصلوات معه ، ثم استعلمني في كتابته ، والتوقيع بين يديه ، على كره مني ، إذ كنت لم أعهد مثله لسلفي ، وعكفت على النظر ، والقراءة ، ولقاء المشيخة من أهل المغرب ، ومن أهل الأندلس الوافدين في غرض السفارة ، وحصلت من الإفادة منهم على البغية » « 38 » ولا شك أن ابن خلدون لم يصدق هنا حين يقرر أنه استدعى ، بل من المؤكد أنه سعى ، لكي يدعى . ثم حين دعي ، قبل فرحا مسرورا ولقد أوردنا ما ذكره من قبل - انه هو نفسه كان يفكر في اللحاق بالبلاط المريني ، وان أخاه الأكبر هو الذي ثنى عزمه أول الأمر . أما ادعاؤه أن وظيفة الكتاب هي دون ما عهد لاسلافه النبلاء الكرام ، فهو مجرد غرور وحمق . ان ما يهمنا الآن ، انه استدعي وعمل كاتبا في ديوان الكتاب ، عام 755 . ولا شك أن الذي سعى له لدى أبي عنان ، وأن الذي نظمه في سلك الكتاب ، هو شيخ الكتاب ، وصاحب القلم الأعلى ، وأستاذه ، أو صاحبه - على حد ما يدعي هو - أبو القاسم ابن رضوان . وكان ابن رضوان حينئذ في أوج مجده وقوته لدى السلطان أبي عنان . ثم حيكت الدسائس ، كما ذكرنا من قبل ، حول ابن رضوان وعزله السلطان أبو عنان عام 757 عن عمله . فهل كان هذا من صنع ابن خلدون ؟ ولم يول أبو عنان الكتابة لابن خلدون - كما كان يصبو - فبدأ ابن خلدون تآمره مع صاحب بجاية الأمير محمد بن أبي زكريا ، وانكشف الأمر لأبي عنان ، وفقد ابن خلدون وظيفته عام 758 ه . وامتحن وسجن « 39 » ، ثم اطلق سراحه بعد وفاة أبي عنان ، وعاد إلى وظيفته . ككاتب ، كما عاد ابن رضوان كبيرا للكتاب . وانتهى الأمر إلى أبي سالم ، وكان ابن خلدون قد عمل جاسوسا للفقيه ابن مرزوق وكان الأخير يعمل حينئذ لإعادة أبي سالم ، وكان ابن خلدون يأمل في وظيفة كبير الكتاب ، وصاحب العلامة ، ولكن ابن مرزوق المتغلب على أبي سالم ، أعاد ابن رضوان ، ثم أعفي ابن رضوان كما يبدو ، لكي ينقطع لكتابة الشهب اللامعة للسلطان أبي سالم ، وجعل العلامة لعلي بن محمد بن سعود الخزاعي ، صاحب ديوان العساكر ، وجعل الانشاء والتوقيع والسر لابن خلدون « 40 » . ثم

--> ( 38 ) ابن خلدون : التعريف ص 58 - 59 ( 39 ) ابن خلدون : التعريف ص 66 - 67 ( 40 ) ابن خلدون : التعريف ص 43 - وص 68