ابن رضوان المالقي

11

الشهب اللامعة في السياسة النافعة

ولا شك أن الشاب الصغير اتجه إلى غرناطة ، وكانت حاضرة الإسلام الكبرى في عهد انهيار الأندلس ، فلا غرابة اذن أن ينتقل إليها علماء الأندلس من كل ناحية ، ويحط الرحال فيها علماء مالقة بالذات . ولذلك يبدو أنه درس في مالقة على عدد من كبار مشايخ الأندلس منهم النحوي المشهور أبو علي الفخار والفقيه المشهور أبو البركات ابن الحاج : محمد بن إبراهيم بن محمد السلمي البلفيقي ثم حين انتقلا إلى غرناطة ، انتقل الشاب الصغير إليها . وكانت رحلته إلى غرناطة من أهم رحلات حياته ، إذ قابل هناك الفقيه أبا القاسم ابن جزي الذي استشهد في موقعة طريف عام 741 ه وقد لازمه ابن رضوان وتتلمذ عليه . وعاد ابن رضوان إلى مالقة ، لكي يعمل فيها وهو شاب ، قاضيا عدلا يقول ابن الأحمر « وارتسم ببلدة مالقة في العدول ، فلم يظهر له عن الحق العدول ، ثم قوضت عن الأندلس للعدوة رحاله » « 14 » ويكرر هذا في نثر الحمان « كان شاهدا عدلا بسماط شهودها » « 15 » . مغادرته النهائية للأندلس كان ابن رضوان في مطلع شبابه قاضيا عدلا ، ولكن قوضت ، كما قال ابن الأحمر آنفا عن الأندلس للمغرب رحاله ، فما هي الأسباب التي دعته إلى رحيل نهائي عن وطنه ؟ وإصرار على عدم العودة ؟ اللهم إلا مرة واحدة اضطر فيها اضطرارا كما سنذكر هذا فيما بعد ، أو زيارات عابرة كرسول بين السلطان ، سلطان المغرب وسلطان غرناطة . ويبدو أن هناك أسبابا متعددة وراء هذا الرحيل ، ومن المؤكد أن أولها أن دار الإسلام ، كما قلت ، كانت تتقوض شيئا فشيئا تحت ضربات الطاغية ، وتسقط المدن والقلاع واحدة بعد أخرى . وأحس كثيرون من الأندلسيين أن لا بقاء لهم ، فرحلوا إلى المغرب وتلمسان وتونس ، كما رحل البعض إلى المشرق . ثانيهما : وهذا هو السبب القريب : تشوق ابن رضوان للخدمة في البلاط المريني . وكان السلطان أبو الحسن المريني بطل الإسلام في ذلك الوقت ، تتعلق به آمال العالم الإسلامي

--> ( 14 ) ابن الأحمر : مستودع العلامة ص 51 ( 15 ) ابن الأحمر : نثير الجمان ص 235