محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
99
الآداب الشرعية والمنح المرعية
إبراهيم بن طهمان عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس قال : لم يكن شيء أحب إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعد النساء من الخيل " 1 " ، إسناد جيد . واختلف العلماء في إنزاء الحمر على الخيل فذهب أبو داود وهو من أصحاب الإمام أحمد إلى الكراهة واحتج بالخبر في ذلك وهو ظاهر ما ذكره صاحب المحرر من أصحابنا في أحكامه المنتقى . ولأصحابنا خلاف فيما رواه الإمام أحمد ولم يخالفه هل يكون مذهبا له ؟ وقد روي هذه الأخبار ولم أجد عنه نصا بخلافها وقد حكى هذا عن طائفة من العلماء كدليل على تلك الأخبار المذكورة . فإن قيل النهي خاص لبني هاشم لقلة الخيل بدليل ما سبق من حديث ابن عباس وقول عبد اللّه بن حسن . وقيل قوله عليه السّلام : " إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون " فدل على أنه لا فرق في هذا بين بني هاشم وغيرهم وذلك لأن الخير معقود في نواصي الخيل إلى يوم القيامة وفي ارتباطها واقتنائها كما سبق الثواب الجزيل والفضل العظيم ويحصل بها من النفع في جهاد أعداء اللّه سبحانه الذي هو من أفضل الأعمال أو أفضلها من الكر والفر وإدراك العد والنجاة عليها منه ويسم لها في الجهاد ولحمها مأكول عند جمهور العلماء للأخبار الصحيحة . ومن المعلوم أن العدول عن مثل هذه المنافع والفضائل مع عدم النسل والنماء إنما يفعله من لا يعلم كما قاله رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . أما من يعلم هذه الفضائل والمنافع وما هو الراجح في نظر الشارع فلا يعدل عن ذلك بلا شك ولهذا لما كان ذلك مستقرا عند عامة العلماء والعقلاء لم يعدلوا عنه غالبا كما هو معلوم عادة وعرفا رجيحا منهم للفضائل الشرعية والمنافع العرفية . وأما قول ابن عباس المذكور ففيه إسباغ الوضوء ومعلوم أن المسلمين فيه سواء ، ومهما كان الجواب عنه كان هو الجواب عن إنزاء الحمر على الخيل . والظاهر أن المراد أن الشارع عليه الصلاة والسّلام خاطبهم بذلك شفاها اتفاقا أو لسبب اقتضى ذلك بحسب الحال أو أنهم أولى بذلك من غيرهم لشرفهم وقربهم منه صلّى اللّه عليه وسلّم إطلاق من أطلق اختصاصهم بذلك وإن كانوا وغيرهم في الحكم سواء ، ولهذا قال علي : قال لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وفيه " 2 " : " لا تجالس أصحاب النجوم " ومعلوم أن النهي عن مجالستهم عام له ولغيره . وأما قول عبد اللّه بن حسن فهو اجتهاد منه لأنه لم يشاهد الحال ولم يدرك ذلك الزمان ،
--> ( 1 ) رواه النسائي ( 6 / 218 ) قلت : وهو كما قال المصنف إلا أن فيه سعيد بن أبي عروبة وهو ثقة حافظ كثير التدليس واختلط وقد عنعنه عن قتادة . ( 2 ) رواه أحمد ( 1 / 78 ) وقد تقدم ص 98 هامش 4 .