محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي

88

الآداب الشرعية والمنح المرعية

لمعاوية رضي اللّه عنهما : من أصبر الناس ؟ قال : من كان رأيه رادا لهواه . قال أعرابي أشد جولة الرأي عند الهوى ، وأشد فطام النفس عند الصبر . قال نفطويه : إن المرآة لا تريك خدوش وجهك في صداها ، وكذلك نفسك لا تريك عيوب نفسك في هواها . فهذه نبذة يسيرة تتعلق بالهوى . وللحكماء كجالينوس وغيره في العشق كلام اختصرته . وسئل بعض الحكماء عنه فقال : شغل قلب فارغ . وقال بعضهم : بطن فرق ، وظهر فكثف ، وامتنع وصفه على اللسان ، فهو بين السحر والجنون ، لطيف المسلك والكمون . وجد في صحيفة لبعض أهل الهند : العشق ارتياح جعل في الروح ، وهو معنى تنتجه النجوم بمطارح شعاعها ، وتولده الطبائع بوصله أشكالها ، وتقبله النفوس بلطف خواطرها ، وهو يعد جلاء للقلوب ، وصقل للأذهان ، ما لم يفرط ، فإذا أفرط عاد سقما قاتلا ، ومرضا منهكا ، لا تنفذ فيه الآراء ، ولا تنجع فيه الحيل ، العلاج منه زيادة فيه . حضر عند المأمون يوما يحيى بن أكثم القاضي وثمامة بن أشرس فقال المأمون ليحيى خبرني عن حد العشق ؟ فقال : يا أمير المؤمنين سوانح تسنح للعاشق يؤثرها ويهيم بها تسمى عشقا . فقال ثمامة : اسكت يا يحيى فإنما عليك أن تجيب في مسألة الفقه وهذه صناعتنا . فقال المأمون : أجب يا ثمامة . فقال : يا أمير المؤمنين إذا تقادحت جواهر النفوس بوصل المشاكلة أثبتت لمح نور ساطع تستضيء به نواظر العقل فتهتز لإشراقه طبائع ويتصور من ذلك نور خاطر بالنفس متصل بجوهرها فيسمى عشقا . قال عباس بن الأحنف فيما أنشده إسحاق الموصلي : فلو كان لي قلبان عشت بواحد * وخليت قلبا في هواك يعذب ولكنما أحيا بقلب مرّوع * فلا العيش يصفو لي ولا الموت يقرب تعلمت ألوان الرضى خوف سخطها * وعلمها حبي لها كيف تغضب ؟ ولي ألف وجه قد عرفت مكانه * ولكن بلا قلب إلى أين يذهب ! وقال أيضا : أرى الطريق قريبا حين أسلكه * إلى الحبيب بعيدا حين أنصرف وله : يقرب الشوق دارا وهي نازحة * من عالج الشوق لم يستبعد الدارا وقال آخر :