محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي

82

الآداب الشرعية والمنح المرعية

فصل في العشق وأسبابه وعلاجه العشق داء صعب ومرض ليس بالهين وهو فرط الحب وقد عشقه عشقا مثل علمه علما وعشقا أيضا عن الفراء ، والعشقة نبت يصفر كله ويذبل به شبه العاشق ، ورجل عشق مثل فسق أي كثير العشق عن يعقوب . والتعشق تكلف العشق ، قال الفراء : يقولون : امرأة محب لزوجها وعاشق . والعشق الطويل الذي ليس بمثقل ولا ضخم من قوم عشاقه والمرأة عشقة وقد يقتل العشق صاحبه . وقد صنف ابن الجوزي مصارع العشاق ، ولهذا ذكر بعض أصحابنا وبعض الشافعية أن من مات به من الشهداء . وذكروا الخبر الضعيف عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : " من عشق فكتم فمات مات شهيدا " " 1 " لكن له طريق آخر وقد ذكرته في كتاب الجنائز في عدد الشهداء ، وقال غير واحد من التابعين في قوله تعالى : رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ [ سورة البقرة : الآية 286 ] . إنه المحبة والعشق ، ومات به بعض خلفاء بني أمية أظنه يزيد بن عبد الملك بن مروان . وقال ابن الأنباري : قال ثعلب أنشدنا ابن الأعرابي : ثلاثة أحباب فحب علاقة * وحب تملاق وحب هو القتل يقال تملقه وتملق له تمليقا وتملاقا أي تودد إليه وتلطف له ، ولا يبتلي بالعشق غالبا إلا من غفل قلبه عن اللّه وعن ذكره وعن أمره ونهيه ، قال تعالى في حق يوسف : كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ [ سورة يوسف : الآية 24 ] . يدل ذلك على أن الإخلاص سبب لدفع السوء والفحشاء فالقلب إذا امتلأ من ذلك استحلاه على كل شيء وتغذى به واستغنى به عما سواه . قال في الفنون : قال بعض الحكماء : ليس العشق من أدواء الحكماء إنما هو من أمراض الخلفاء الذين جعلوا دأبهم ولهجتهم متابعة النفس وإرخاء عنان الشهوة وإفراط النظر في المستحسنات من الصور ، فهنالك تتقيد النفس ببعض الصور فتأنس ثم تألف ثم تتوق ثم تتشوق ثم تلهج فيقال : عشق ، والحكيم من استطال رأيه على هواه وتسلطت حكمته أو تقواه على شهوته ، فرعونات نفسه مقيدة أبدا ، كصبي بين

--> ( 1 ) موضوع رواه ابن حبان في المجروحين ( 1 / 349 ) والخطيب في تاريخه ( 5 / 156 ) والثعلبي في " حديثه " ( 129 / 1 ) وأبو بكر الكلاباذي في " مفتاح المعاني " ( 281 / 2 ) والسلفي في الطيورات ( 24 / 2 ) وابن عساكر في تاريخ دمشق ( 12 / 263 / 2 ) وذكر في هذا الحديث الشيخ الألباني بحثا مطولا ذكر فيه طرقه وبين سبب ضعفها جميعا وانظر الضعيفة ( 409 ) .