محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
389
الآداب الشرعية والمنح المرعية
كتابه شرح السنة : وإذا رأيت الرجل رديء الطريق والمذهب فاسقا فاجرا صاحب معاصي ظالما وهو من أهل السنة فاصحبه واجلس معه فإنك لن تضرك معصيته ، وإذا رأيت عابدا مجتهدا متقشفا متحرفا بالعبادة صاحب هوى فلا تجلس معه ولا تسمع كلامه ولا تمش معه في طريق ، فإني لا آمن أن تستحلي طريقته فتهلك معه . وقال أبو الفرج الشيرازي من أصحابنا رحمه اللّه في كتاب التبصرة له : قال أحمد بن حنبل رضي اللّه عنه : وإذا رأيت الشاب أول ما ينشأ مع أهل السنة والجماعة فأرجه ، وإذا رأيته مع أصحاب البدع فايئس منه فإن الشاب على أول نشوئه انتهى كلامه . وقال ابن الجوزي : في كتابه السر المكتوم لما ذكر المعتزلة وغيرهم والفلاسفة : قال اللّه اللّه من مصاحبة هؤلاء ، ويجب منع الصبيان من مخالطتهم لئلا يثبت في قلوبهم من ذلك شيء ، واشغلوهم بأحاديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لتعجن بها طبائعهم انتهى كلامه . وقال الإمام أحمد في رسالته إلى مسدد ولا تشاور صاحب بدعة في دينك ، ولا ترافقه في سفرك ، وكان القاضي أبو يعلى رحمه اللّه ينهى عن مخالطة أبناء الدنيا ، وعن النظر إليهم والاجتماع بهم ويأمر بالاشتغال بالعلم ومخالطة الصالحين ، قال ابن عبد البر في بهجة المجالس أنشد أبو العباس أحمد بن يجيى ثعلب ويقال أنها له : إن صحبنا الملوك تاهوا وعقوا * واستخفوا كبرا بحق الجليس أو صحبنا التجار صرنا إلى البؤ * س وعدنا إلى عداد الفلوس فلزمنا البيوت نستخرج العل * م ونملأ به بطون الطروس وقال القاضي يروي عن شيخنا إبراهيم الحربي رحمه اللّه أنه استزاره المعتضد وقربه وأجازه فرد جائزته فقال له : اكتم مجلسنا ولا تخبر بما فعلنا وبما قابلتنا به ، فقال له الحربي لي إخوان لو علموا باجتماعي لهجروني . وفي هذا المعنى وما يتعلق بهذا الفصل أشياء كثيرة وتقدم ما يتعلق به في غير موضع وهذه إشارة فيها كفاية إن شاء اللّه تعالى . وقد قال ابن عقيل في الفنون في أثناء كلام له : أنا أقول الذي ينبغي أن يكون ، حد الصداقة اكتساب نفس إلى نفسك ، وروح إلى روحك ، وهذا الحد يريحك عن طلب ما ليس في الوجود حصوله ، لأن نفسك الأصلية لا تعطيك محض النفع الذي لا يشوبه إضرار فالنفس المكتسبة لا تطلب منها هذا العيار ، وقد بينت العلة في تعذر الصفو الخالص وهي تغاير الأمزجة ، وتغليب الأخلاط واختلاف الأزمنة والأغذية ، فإن رطب وراق بالماء ورق بالهواء ثقل ورسب بالتراب ، وإن شف وصفا بالروح كثف وكدر بالجسد ، وإن استقام بالعقل ترنح بالهوى ، وإن خشع بالموعظة قسا بالغرور ، وإن لطف بالفكر غلظ بالغفلة ، وإن سخا بالرجاء بخل بالقنوط . فإذا كانت الخلال في الشخص الواحد بهذه المشاكلة من التنافر ، كيف يطلب