محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
327
الآداب الشرعية والمنح المرعية
قال : قدمت بغداد على أن أدخل على الخليفة فآمره وأنهاه فدخلت على أحمد بن حنبل فاستشرته في ذلك قال أخاف عليك أن لا تقوم بذلك قلت له فقد عرضت نفسي على الضرب والقتل وقد قبلت ذلك ، قال : فقال لي استشر في هذا بشر وأخبرني بما يقول لك فأتيت بشرا ، فأخبرته بذلك فقال : لا أرى لك ، أخاف أن تخونك نفسك قلت : فإني أصبر على ذلك ، قال : لا أرى لك ذلك ، قلت لم ؟ قال : إني أخاف عليك أن يقدم عليك بقتل فتكون سبب دخوله إلى النار . قال : فأتيت أحمد فأخبرته فقال : ما أحسن ما قال لك ، قال : وأخبرني أحمد بن أبي هارون أن مثني الأنباري حدثهم أنه قال لأبي عبد اللّه ما تقول في السلطان إن أرسل إلي يسألني عن العمال أخبر بما فيهم ؟ قال : تداري السلطان ، قلت : فالحديث الذي جاء " كلمة حق عند إمام جائر " " 1 " فقدم هذا وكان عنده أن هذا أفضل . وقال المروذي : سمعت إسحاق بن إبراهيم ونحن بالعسكر يناشد أبا عبد اللّه ويسأله الدخول على الخليفة ليأمره وينهاه وقال له : إنه يقبل مثل هذا إسحاق بن راهويه يدخل على ابن طاهر فيأمره وينهاه ، فقال له أبو عبد اللّه تحتج علي بإسحاق فأنا غير راض بفعله ، ما له في رؤيتي خير ، ولا لي في رؤيته خير ، يجب علي إذا رأيته أن آمره وأنهاه ، الدنو منهم فتنة ، والجلوس معهم فتنة ، نحن متباعدون منهم ما أرانا نسلم فكيف لو قربنا منهم ؟ قال المروذي : وسمعت إسماعيل ابن أخت ابن المبارك يناظر أبا عبد اللّه ويكلمه في الدخول على الخليفة ، فقال له أبو عبد اللّه : قد قال خالك يعني ابن المبارك لا تأتهم ، فإن أتيتهم فأصدقهم وأنا أخاف أن لا أصدقهم . وقال في الفنون أكثر من يخالط السلطان لشدة حرصهم على تنفيق نفوسهم عليه بإظهار الفضائل وتدقيق المذاهب ، في درك المباغي والمطالب يبلغون مبلغا يغفلون به عن الصواب ، لأن السلاطين دأبهم الاستشعار ، والخوف من دواهي الأعداء فإذا أحسوا من إنسان تنغر ولمح تحرزوا منه بعاجل أحوالهم ، والتحرز نوع إقصاء فإنه لا قربة لمن لا تؤمن مكايده وعنهم يفتعلون الدواهي لما عساه يلم بجانبهم ، فإن التغافل أصلح لمخالطتهم من التجالد وإظهار اللمح ، فإن للسلطان كنزا لا يجب ظهوره إلى كل أحد ويخاف من تكشف أحواله الدخول عليه من باب الخبرة به ، والأولى في الحكمة أن لا ينكشف الإنسان بخلق في محبوبه ولا مكروهه فيدخل عليه الخوف منه . وقال ابن عبد البر في كتاب بهجة المجالس يقال : شر
--> ( 1 ) إسناده حسن رواه ابن ماجة ( 4012 ) وأحمد ( 5 / 251 ، 256 ) وابن عدي ( 112 / 2 ) والبيهقي في الشعب ( 2 / 438 / 1 ) وغيرهما . قال الشيخ الألباني : إسناده حسن وفي أبي غالب خلاف لا ينزل حديثه عن رتبة الحسن وحديثه هذا صحيح بشاهده . قلت : وقد ذكر له شواهد في الصحيحة ( 491 ) .