محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي

325

الآداب الشرعية والمنح المرعية

أدب اللّه تعالى عبده داود عليه الصلاة والسّلام في النعجة انتهى كلامه . وذكر ابن الجوزي في موضع آخر أنه لا يجوز الدخول على الأمراء والعمال والظلمة واستدل بالخبر والأثر والمعنى قال : إلا بعذرين أحدهما إلزام من جهتهم يخاف الخلاف فيه الأذى ، الثاني أن يدخل ليرفع ظلما عن مسلم فيجوز بشرط أن لا يكذب ولا يثني ولا يدع نصيحة يتوقع لها قبولا انتهى كلامه وينبغي أن يجوز ذلك في موضع يكون فيه كف ظلم عظيم لأنه يجوز سلوك أدنى المفسدتين والتزامها بكف أعلاهما ورفعها . قال ابن الجوزي : فإن دخل عليه السلطان زائرا فجواب السّلام لا بد منه كذا قال وقد تقدم الكلام في هجر المبتدع والمجاهر بالمعاصي ، قال : وأما القيام والإكرام فلا تحرم مقابلة له على إكرامه فإنه بإكرام العلم والدين مستحق الحمد ، كما أنه بالظلم مستحق للذم - إلى أن قال ، ثم يجب عليه أن ينصحه ويعرفه تحريم ما يفعله مما لا يدري أنه محرم ، فأما إعلامه بتحريم الظلم وشرب الخمر فلا فائدة فيه بل عليه أن يخوفه من ركوب المعاصي مهما ظن أن التخويف يؤثر في قلبه ، وعليه أن يرشده إلى المصالح ، ومتى عرف طريقا للشرع يحصل به غرض الظالم عرفه إياه . الحال الثالث : أن يعتزل عنهم فلا يراهم ولا يرونه والسلامة في ذلك ثم ينبغي أن يعتقد بغضهم على ظلمهم فلا يجب بقاءهم ولا يثني عليهم ولا يستخبر عن أحوالهم ولا يتقرب إلى المتصلين بهم ولا يتأسف على ما يفوته بسبب مفارقتهم كما قال بعضهم : إنما بيني وبين الملوك يوم واحد إما يوم مضى فلا يجدون لذته ، وأنا وإياهم في غد على وجل ، وإنما هو اليوم فما عسى أن يكون في اليوم . وقال الشيخ تقي الدين : العدل تحصيل منفعته ودفع مضرته ، وعند الاجتماع يقدم أرجحهما لتحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما ودفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما وقال في موضع آخر بعد أن ذكر ما رواه أحمد عن ميمون بن مهران قال ثلاثة لا تبلون نفسك بهم : لا تدخلن على ذي سلطان وإن قلت آمره بطاعة اللّه ، ولا تخلون بامرأة وإن قلت أعلمها كتاب اللّه ، ولا تصغين بسمعك لذي هوى فإنك لا تدري ما يعلق بقلبك منه . قال الشيخ تقي الدين فالاجتماع بالسلطان من جنس الإمارة والولاية وفعل ذلك لأمره ونهبه بمنزلة الولاية بنية العدل وإقامة الحق واستماع كلام المبتدع للرد عليه من جنس الجهاد ، وأما الخلوة بالمرأة الأجنبية فمحرم فهذا كله من جنس واحد وهو دخول الإنسان بنفسه من غير حاجة فيما يوجب عليه أمورا أو يحرم عليه أمورا لا سيما إن كانت تلك الأمور مما جرت العادة بترك واجبها وفعل محظورها ولهذا قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في الدجال : " فمن سمع به فلينأ عنه فإن الرجل يأتيه وهو يعلم أنه الدجال فلا يزال به ما يراه من الشبهات حتى يفتنه ذلك " ومن هذا