محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
303
الآداب الشرعية والمنح المرعية
وفي الصحيحين من حديث أبي قتادة : " فقد رأى الحق " " 1 " وقد تكلم العلماء فيما إذا رأى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فأمره في منامه أو نهاه وتلخيصه أنه لا يغير ما تقرر في اليقظة شرعا إجماعا نظرا إلى ترجيح الدليلين وأما ما ليس فيه أمر ولا نهى عنه عليه الصلاة والسّلام في اليقظة فهل يلزم العمل به ؟ قال القاضي عياض في أواخر مقدمة مسلم عن قول حمزة الزيات أنه رأى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في المنام فعرض عليه ما سمعه من أبان يعني ابن عياش فما عرف منه إلا شيئا يسيرا قال : وهذا ومثله استئناس واستظهار على ما تقرر من ضعف أبان لا أنه يقطع بأمر المنام ولا أنه يبطل بسببه سنة ثبتت ولا يثبت به سنة لم ثتبت وهذا بإجماع العلماء انتهى كلامه . قال أبو زكريا النواوي وكذا قال غيره من أصحابنا وغيرهم فنقلوا الاتفاق على أنه لا يغير بسبب ما يراه النائم ما تقرر في الشرع ولا يخالف هذا قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : " من رآني في المنام فقد رآني " فإن معنى الحديث أن رؤيته صحيحة ، وليست من أضغاث الأحلام وتلبس الشيطان ، ولكن لا يجوز إثبات حكم شرعي به لأن حالة النوم ليست حالة ضبط وتحقيق لما يسمعه الرائي ، وقد اتفقوا على أن من شرط من تقبل شهادته وروايته أن يكون متيقظا لا مغفلا ولا سئ الحفظ ولا كثير الخطأ ولا مختل الضبط والنائم ليس بهذه الصفة فلم تقبل روايته لاختلال ضبطه أما إذا رأى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يأمره بفعل مندوب إليه أو ينهاه عن منهي عنه أو يرشده إلى فعل مصلحة فلا خلاف في استحباب العمل على وفقه لأن ذلك ليس حكما بمجرد المنام بل بما تقرر من أصل ذلك الشيء انتهى كلامه وهذا كله معنى كلام الشيخ تقي الدين بن تيمية . وقال ابن حزم أيضا : لا يلزم العمل به وقال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد في قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : " أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر " " 2 " أنه هل يلزم العمل به ؟ فيه خلاف واللّه أعلم . وعن أبي سعيد رضي اللّه عنه أنه سمع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : " إذا رأى أحدكم رؤيا يحبها فإنما هي من اللّه فليحمد اللّه عليها وليحدث بها ، وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان فليستعذ من شرها ولا يذكرها لأحد فإنها لا تضره " رواه البخاري " 3 " وعن أبي قتادة مرفوعا : " الرؤيا من اللّه والحلم من الشيطان فإذا حلم أحدكم حلما فلينفث على يساره ثلاثا وليتعوذ باللّه من شرها فإنها لن تضره - وفي رواية - فليبصق عن يساره حين يهب من نومه ثلاثا - وفي رواية - فإذا رأى أحدكم شيئا يكرهه فلينفث عن يساره ثلاثا " " 4 " ولمسلم " فليتحول عن
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 6996 ) ومسلم ( الرؤيا / 2661 ) . ( 2 ) رواه البخاري ( 2015 ) ومسلم ( الصيام / 205 ) . ( 3 ) رواه البخاري ( 7045 ) . ( 4 ) رواه البخاري ( 3292 ) ومسلم ( الرؤيا / 2261 ) .