محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
257
الآداب الشرعية والمنح المرعية
ولما وقع الطاعون بالشام قال عمرو بن العاص : إنه رجز ، وفي رواية رجس ففروا منه في الشعاب والأدوية ، فقال شرحبيل بن حسنة ولكنه رحمة ربكم ودعوة نبيكم ووفاة الصالحين فاجتمعوا ولا تتفرقوا عنه ، فقال عمرو صدق ، وبلغ معاذا قول عمرو فلم يصدقه وقال : بل هو شهادة ورحمة ودعوة نبيكم ، اللهم أعط معاذا وأهله نصيبهم من رحمتك وفي رواية أن أبا عبيدة قام خطيبا فقال : أيها الناس إن هذا الوجع رحمة ربكم ، ودعوة نبيكم ، وموت الصالحين قبلكم ، وإن أبا عبيدة يسأل اللّه تعالى أن يقسم له منه حظه ، وماتا فيه رضي اللّه عنهما قال أبو قلابة فعرفت الشهادة وعرفت الرحمة ولم أدر ما دعوة نبيكم حتى أنبئت أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بينما هو ذات ليلة يصلي إذ قال في دعائه : " فحمى إذا أو طاعونا " فقيل له فقال : " سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها ، وسألته أن لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم فأعطانيها ، وسألته أن لا يلبسهم شيعا ولا يذيق بعضهم بأس بعض فأبى علي - أو قال - منعت فقلت حمى إذا أو طاعونا " " 1 " وعن عامر بن قيس أخي أبي موسى الأشعري مرفوعا : " اللهم اجعل فناء أمتي قتلا في سبيلك بالطعن والطاعون " " 2 " روى ذلك أحمد . فصل في شعور الأنفس بالبسط والقبض وتعليل ذلك وحكمته قال في الفنون : جرى في مجلس مذاكرة فقال قائل : إني لا أجد في نفسي ضيقا وإن قصرت يدي بل طيب النفس : كأني صاحب ذخيرة ، فقال رئيس فاضل قد جرب الدهر وحنكته التجارب : هذه صفة إما رجل قد أعدت له الأيام سعادة شعرت نفسه بها لأن في النفوس الشريفة ما يشعر بالأمر قبل كونه ، أو يكون ذلك ثقة باللّه لكل حادث لعلمه أنه من عند حكيم لا يضع الشيء إلا في موضعه ، فيستريح من تعب الاعتراض وعذاب التمني ، قال : وبالضد من هذا إذا كان باكيا شاكيا حزينا لا لسبب ، بل نعم اللّه عليه جمة ، فذلك شعور النفوس بما يؤول حاله إليه ، وهذا من جنس الفأل والطيرة والزجر والهاتف ، وذلك كله إنما هو اطلاع اللّه تعالى للنفوس على عقباها ، ومن ذلك المنامات ، فهذه شواهد الخير والشر ، وقديما رأينا المشايخ لا بد أن يكون مقدمة النحس وزوال السعادة كسوف البال ، وتكاثف الهم وضيق الصدر وتغير الأخلاق ، قال اللّه تعالى : ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ [ سورة الأنفال : الآية 53 ] .
--> ( 1 ) رواه أحمد ( 5 / 248 ) . ( 2 ) صحيح رواه أحمد ( 4 / 417 ) بإسناد صحيح على شرط مسلم قاله الألباني .