محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
158
الآداب الشرعية والمنح المرعية
ماجة ولفظه فدخل علي فرأى كسرة ملقاة فأخذها فمسحها ثم أكلها ، وقال : " يا عائشة أكرمي كريمك فإنها ما نفرت عن قوم فعادت إليهم " " 1 " فهذا الخبر يدل على عدم التقبيل لأن هذا محله كما يفعل في هذا الزمان . ومما ينبغي أن يعرف أن الاعتراف بالنعم ومن أنعم بها وشكره سبب لبقائها وزيادتها كما قال بعض الأدباء : قيدوا النعم بالشكر فإنها كالنعم لها أوابد ، أي تشرد وتنفر كما في الصحيحين من حديث أبي رافع : " إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش " 2 " ، وقد قال تعالى : فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ [ سورة البقرة : الآية 152 ] . وقد قال أبو حازم الأعرج التابعي الجليل رحمه اللّه : كل نعمة لم يشكر اللّه عليها فهي بلية وقال أيضا : إذا رأيت اللّه يتابع نعمه عليك وأنت تعصيه فإنما هو استدراج فاحذره وقد قال تعالى : سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ [ سورة الأعراف : الآية 182 ] . وقال تعالى : فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ [ سورة الأنعام : الآية 44 ] . وقد سبق ما يتعلق بهذا قريبا وقد قال تعالى : كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ [ سورة سبأ : الآية 15 ] . وقال تعالى : اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً [ سورة سبأ : الآية 13 ] . قال ابن الجوزي المعنى وقلنا اعملوا بطاعة اللّه شكرا على ما آتاكم ، وقال ابن عبد البر قال بعضهم : الطاعات كلها شكر وأفضل الشكر الحمد ، وذكر ابن عبد البر في كتاب بهجة المجالس أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : " ما أنعم اللّه على عبد نعمة فعلم أنها من عند اللّه إلا كتب اللّه عز وجل له شكرها ، وما علم اللّه من عبد ندامة على ذنب إلا غفر اللّه له قبل أن يستغفر ، وإن الرجل ليلبس الثوب فيحمد اللّه فما يبلغ ركبتيه حتى يغفر له " " 3 " ومكتوب في التوراة : اشكر لمن أنعم عليك وأنعم على من شكرك فإنه لا زوال للنعم إذا شكرت ، ولا مقام لها إذا كفرت ، والشكر زيادة في النعم وأمان من الغير ، قال أبو بجيلة : شكرتك إن الشكر حبل من التقى * وما كل من أوليته نعمة يقضي وأحييت من ذكري وما كنت خاملا * ولكن بعض الذكر أنبه من بعض
--> ( 1 ) ضعيف رواه ابن ماجة ( 3353 ) وابن أبي الدنيا في الشكر ( 1 / 1 / 2 ) قال الإمام البوصيري : هذا إسناد ضعيف لضعف الوليد بن محمد الموقري أبو بشر البلقاوي قلت : قال الحافظ في التقريب : متروك . ( 2 ) رواه البخاري ( 5498 ) ومسلم ( الأضاحي / 1968 ) . ( 3 ) رواه الحاكم ( 1 / 514 ) والبيهقي في الشعب ( 2379 ، 4380 ) والشكر لابن عبد البر ( 30 ) .