محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي

136

الآداب الشرعية والمنح المرعية

وأصوم وأفطر وآكل اللحم وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني " " 1 " . وفي مسلم " 2 " عن عبد اللّه بن مسعود أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : " هلك المتنطعون " قالها ثلاثا وهم المبالغون في الأمور ، وقد روي عن صفوان بن سليم وهو من التابعين الصلحاء رضي اللّه عنهم أنه عاهد اللّه أن لا يضع جنبه إلى الأرض ما بقي في الدنيا وعاش بعد ذلك ثلاثين سنة ووفى بذلك . وعن داود الطائي أنه كان يسف السويق لئلا يشتغل بمضغ الخبز وغيره عن الذكر ، وعن غيرهما من العباد معنى هذه الأحوال ولعل ذلك لا يصح عن عابد عالم ، وعابد جاهل لا عبرة برأيه فإن صح ذلك فإنه محجوج برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقد قال مالك رضي اللّه عنه الكلام المشهور : كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر يعني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . وقد ذكر ابن الجوزي رحمه اللّه في ( صيد الخاطر ) بعض ذلك وغيره عن بعض العباد رحمهم اللّه قال : ولعمري إن هذه خيرات ولكن عليك بالجادة طريق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أو كما قال ، وأما إن أسرف في تناول ذلك فقال ابن عقيل وجماعة ظاهر كلام أحمد رحمه اللّه أن التبذير والإسراف ما أخرجه في الحرام لقوله : لو أن الدنيا لقمة فوضعها في فيه أخيه لم يكن إسرافا . وقال القاضي أبو يعلى إن لم يخف الفقر لم يكن مسرفا وإلا فهو من السرف المنهي عنه ، وقال ابن الجوزي في التبذير قولان : ( أحدهما ) أنه إنفاق المال في غير حق قاله ابن مسعود وابن عباس ومجاهد ، وقال الزجاج في غير طاعة ( والثاني ) الإسراف المتلف للمال . إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ [ سورة الإسراء : الآية 27 ] . يوافقونهم فيما يدعونهم إليه ويشاكلونهم في معصية اللّه . وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً [ سورة الإسراء : الآية 27 ] أي جاحدا لنعمه . قال ابن الجوزي : وهذا يتضمن أن المسرف كفور للنعم وذكر غير واحد من أصحابنا أن التبذير أن يصرفه في حرام أو في غير فائدة والمسألة مذكورة في الفقه في باب الحجر وسبق كلام الشيخ تقي الدين إن الإسراف في المباحات محرم وقد يحتج لعدم التحريم بعموم القرآن وإطلاقه من غير نظر إلى السبب كقوله تعالى : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ [ سورة الأعراف : الآية 32 ] .

--> ( 1 ) رواه البخاري ( 5063 ) ومسلم ( النكاح / 1401 ) . ( 2 ) رواه مسلم ( العلم / 2670 ) .