محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
74
الآداب الشرعية والمنح المرعية
وإذا انصرفت عنك قلوبهم فلا تحدثهم ، وذلك إذا اتكأ بعضهم على بعض وقال عكرمة عن ابن عباس " 1 " : حدث الناس كل جمعة مرة فإن أكثرت فمرتين ، فإن أكثرت فثلاثا ولا تمل الناس من هذا القرآن ولا تأت القوم وهم في حديث فتقطع عليهم حديثهم ، وقال : انصت فإذا أمروك فحدثهم وهم يشتهونه ، وإياك والسجع في الدعاء فإني عهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لا يفعلونه رواه البخاري وعن عمر رضي الله عنه أنه كان يقول على المنبر : أيها الناس لا تبغضوا الله إلى عباده ، فقيل كيف ذاك أصلحك الله ؟ قال : يجلس أحدكم قاصا فيطول على الناس حتى يبغض إليهم ما هم فيه ، ويقوم أحدكم إماما فيطول على الناس حتى يبغض إليهم ما هم فيه . وقالت عائشة رضي الله عنها لعبيد بن عمير : إياك وإملال الناس وتقنيطهم وكان الزهري إذا سئل عن الحديث يقول : احمضوا اخلطوا الحديث بغيره حتى تنفتح النفس ، وقال الزهري : نقل الصخر أيسر من تكرير الحديث . قال ابن عبد البر كان يقال : ستة إذا أهينوا فلا يلوموا أنفسهم : الذاهب إلى مائدة لم يدع إليها . وطالب الفضل من اللئام . والداخل بين اثنين في حديثهما من غير أن يدخلاه فيه ، والمستخف بالسلطان ، والجالس مجلسا ليس له بأهل ، والمقبل بحديثه على من لا يسمع منه ولا يصغي إليه . قال ابن عبد البر في بهجة المجالس : كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول : إن هذه القلوب تمل كما تمل الأبدان : فابتغوا لها طرائف الحكمة ، وقال ابن مسعود رضي الله عنه : أريحوا القلوب فإن القلب إذا كره عمي وقال أيضا : إن للقلوب شهوة وإقبالا ، وفترة وإدبارا ، فخذوها عند شهوتها وإقبالها ، وذروها عند فترتها وإدبارها . وفي صحف إبراهيم عليه السلام وعلى العاقل أن يكون له ثلاث ساعات ساعة يناجي فيها ربه ، وساعة يحاسب فيها نفسه ، وساعة يخلي فيها بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجمل ، فإن هذه الساعة عون له على سائر الساعات . وقال عمر بن عبد العزيز : تحدثوا بكتاب الله وتجالسوا ، وإذا مللتم فحديث من أحاديث الرجال حسن جميل . وقال أيضا لابنه عبد الملك : يا بني إن نفسي مطيتي وإن حملت عليها فوق الجهد قطعتها . وقال بعض الحكماء : حادثوا هذه القلوب بالذكر فإنها تصدأ كما يصدأ الحديد . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم " 2 " " إن هذه القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد " قالوا : فما جلاؤها يا رسول الله ؟ قال : " تلاوة القرآن " وكان يقال : التفكر نور والغفلة ظلمة . وفي البخاري " 3 " من حديث أبي جحيفة قول سلمان لأبي الدرداء : إن لربك عليك حقا ،
--> ( 1 ) البخاري ( 6337 ) . ( 2 ) إسناده ضعيف . أخرجه القضاعي في الشهاب ( 1178 ، 1179 ) . ( 3 ) مرسل صحيح الإسناد . عزاه ابن حجر في الفتح لعبد بن حميد بإسناد صحيح . الفتح ( 2 / 411 ) .