محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي

64

الآداب الشرعية والمنح المرعية

المطلق بتقييده وإلا فمخاطرة ، وربما قرأ " نفس الرحمن من اليمن " " 1 " و " الحجر الأسود يمين الله " " 2 " ومعلوم أن من اعتقد ظاهر هذا كفر . قال ابن الجوزي في كتاب السر المكتوم : لا يصلح لإيداع الأسرار كل أحد ولا ينبغي لمن وقع بكنز أن يكتمه مطلقا فربما ذهب هو ولم ينتفع بالكنز ، وكما أنه لا ينبغي للعالم أن يخاطب العوام بكل علم فينبغي أن يخص الخواص بأسرار العلم لاحتمال هؤلاء ما لا يحتمله أولئك ، وقد علم تفاوت الأفهام ، وقد قال تعالى : وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ [ سورة النساء : الآية 83 ] . وقال : وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ [ سورة العنكبوت : الآية 43 ] . وقال : ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ [ سورة النحل : الآية 125 ] . وقال عليه السلام : " ليلني منكم أولو الأحلام والنهى " " 3 " . وقال أبو هريرة " 4 " رضي الله عنه : سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعائين بثثت أحدهما ولو بثثت الآخر لقطع هذا الحلقوم . وهذا يشكل فيقال : كيف كتم العلم ولا أحسب هذا المكتوم إلا مثل قوله : " إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلا جعلوا مال الله دولا " " 5 " ومثل ذكر قتل عثمان وما سيظهر من الفتن . ومن التغفيل تكلم القصاص عند العوام الجهلة بما لا ينفعهم ، وإنما ينبغي أن يخاطب الإنسان على قدر فهمه ومخاطبة العوام صعبة فإن أحدهم ليرى رأيا يخالف فيه العلماء ولا

--> ( 1 ) ضعيف جدا . أخرجه الحاكم في علوم الحديث ( ص 128 ) والطبراني في الأوسط ( 1973 - مجمع البحرين ) وفي سنده علي بن زادان ، قال الدارقطني : متروك . وانظر نصب الراية ( 4 / 17 ) ومجمع الزوائد ( 4 / 85 ) والضعيفة ( 491 ) . ( 2 ) لا أصل له . قاعة العراقي . ( 3 ) أخرجه مسلم ( 432 ) عن أبي مسعود . ( 4 ) أخرجه البخاري ( 120 ) وفيه ( البلعوم ) فكان ( الحلقوم ) . قال البخاري : البلعوم مجرى الطعام . قال الحافظ ابن حجر : وحمل العلماء الوعاء الذي لم يبثه على الأحاديث التي فيها تبيين أسامي أمراء السوء وأحوالهم وزمنهم وقد كان أبو هريرة يكنى عن بعضه ولا يصرح به خوفا على نفسه منهم ، كقوله : أعوذ بالله من رأس الستين وإمارة الصبيان - يشير إلى خلافة يزيد بن معاوية لأنها كانت سنة ستين من الهجرة . واستجاب الله دعاء أبي هريرة فمات قبلها بسنة . . . قال ابن المنير : جعل الباطنية هذا الحديث ذريعة إلى تصحيح باطلهم حيث اعتقدوا أن للشريعة ظاهرا وباطنا ، وذلك الباطن إنما حاصله الانحلال من الدين . قال : وإنما أراد أبو هريرة بقوله : ( قطع ) أي قطع أهل الجور رأسه إذا سمعوا عيبه لفعلهم وتضليله لسعيهم ، ويؤيد ذلك أن الأحاديث المكتوبة لو كانت من الأحكام الشرعية ما وسعه كتمانها لما ذكره في الحديث الأول من الآية الدالة على ذم من كتم العلم . وقال غيره : يحتمل أن يكون أراد مع الصنف المذكور ما يتعلق بأشراط الساعة وتغير الأحوال والملاحم في آخر الزمان ، فينكر ذلك من لم يألفه ، ويعترض عليه من لا شعور له به . ( 5 ) أخرجه أبو يعلى ( 11 / 6523 ) وصححه محققه .