محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
248
الآداب الشرعية والمنح المرعية
ضرورة بقائه وهو الطعام والشراب فمتى زاد على مقدار التحلل ضعفت الحرارة عن تحليل فضلاته فاستحالت مواد رديئة فتنوعت الأمراض لتنوع موادها وقبول الأعضاء واستعدادها فلهذا قال تعالى : وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا [ سورة الأعراف : الآية 31 ] . فأمر سبحانه بإدخال ما يقيم البدن من الطعام والشراب عوض ما تحلل منه بقدر ما ينتفع به البدن ، فمتى جاوزه أسرف فكل واحد من عدم الغذاء والإسراف فيه مانع من الصحة جالب للمرض فلهذا قال من قال : الطب حفظ الصحة في بعض آية فالبدن في التحلل والاستخلاف دائما ، فكلما كثر التحلل ضعفت الحرارة لفناء الرطوبة وهي مادة الحرارة ، وإذا ضعفت الحرارة ضعف الهضم ولا يزال كذلك حتى تفنى الرطوبة وتنطفىء الحرارة جملة فيموت ، فغاية الطبيب أن يحمي الرطوبة عما يفسدها من العفونة وغيرها ، والحرارة عما يضعفها ويعدل بينها بالعدل في التدبير الذي قام به البدن فالمخلوقات قوامها بالعدل . واعلم أن في الصحة والعافية عن النبي صلى الله عليه وسلم ما ليس في غيرهما كحديث ابن عباس " نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس : الصحة والفراغ " " 1 " رواه البخاري . وحديث سلمة بن عبيد الله بن محصن الأنصاري عن أبيه " من أصبح معافى في جسمه آمنا في سربه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا " " 2 " سلمة فيه جهالة . رواه ابن ماجة والترمذي وقال : حسن غريب . وحديث أبي هريرة " أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة من النعيم أن يقال له : ألم نصح جسمك ونروك من الماء البارد ؟ " " 3 " إسناد جيد رواه الترمذي وقال غريب . وأمر عليه السلام عائشة إن علمت ليلة القدر أن تقول : " اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني " " 4 " صححه الترمذي وغيره . وعن أنس مرفوعا " لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة " قالوا : فما ذا نقول : قال : " سلوا الله العافية في الدنيا والآخرة " " 5 " حسنه الترمذي ولأبي داود هذا المعنى من حديث عبد الله بن
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 6412 ) . ( 2 ) أخرجه الترمذي ( 2346 ) وابن ماجة ( 4141 ) . وتكلم المصنف على سنده . ( 3 ) أخرجه الترمذي ( 3358 ) وصححه ابن حبان ( 16 / 364 / 7364 ) والحاكم ( 4 / 138 ) . ( 4 ) أخرجه الترمذي ( 3513 ) والنسائي في التفسير ( 708 ) وغيره . وعبد الله بن بريدة لم يسمع من عائشة قال الدارقطني والبيهقي . وأخرجه النسائي في اليوم والليلة ( 878 ) موقوفا . وبسط تخريجه في حاشية تفسير النسائي . ( 5 ) أخرجه الترمذي ( 212 ، 3594 ) وأبو داود ( 521 ) وإسناده ضعيف ، لكن ورد من طريق آخر أشار إليه الترمذي ، وصححه ابن خزيمة ( 425 - 427 ) وابن حبان ( 4 / 594 / 1696 ) . وبسط تخريجه في حاشية -