محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
239
الآداب الشرعية والمنح المرعية
وبإسناده عن علي رضي الله عنه قال : المعدة بيت الداء والحمية " 1 " رأس الطب والعادة طبع ثان فعودوا بدنا ما اعتاد . قال شهاب بن عطارد بن شهاب فحدثت به بعض علماء متطببي هذا الزمان فقال : ما ترك لنا ما نتكلم عليه أبلغ من هذا المعنى ولا أوجز . وروي أيضا عن الأصمعي قال : جمع هارون الرشيد أربعة من الأطباء عراقي ورومي وهندي وسوادي ، فقال : ليصف كل واحد منكم الدواء الذي لا داء فيه فقال الرومي : هو حب الرشاد الأبيض . وقال الهندي : الماء الحار ، وقال العراقي : الهيلج الأسود وكان السوادى أبصرهم فقال له : تكلم فقال : حب الرشاد يولد الرطوبة ، والماء الحار يرخي المعدة ، والهيلج الأسود يرق المعدة ، فقالوا له : فأنت ما تقول ؟ قال : أقول الدواء الذي لا داء فيه أن تقعد على الطعام وأنت تشتهيه وتقوم عنه وأنت تشتهيه . قال ابن الجوزي : ونقل أن الرشيد كان له طبيب نصراني حاذق ، فقال لعلي بن الحسين : ليس في كتابكم من علم الطب شيء ، فقال علي بن الحسين : وهو ابن واقد قد جمع الله الطب في نصف آية من كتابنا ، فقال : ما هي ؟ قال قوله تعالى : وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا [ سورة الأعراف : الآية 31 ] . فقال النصراني : لا يؤثر عن نبيكم شيء من الطب فقال : قد جمع رسولنا في ألفاظ يسيرة قال : وما هي ؟ قال : " المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء وعودوا كل بدن ما اعتاد " " 2 " فقال النصراني : ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طبا . قال ابن الجوزي : هكذا نقلت هذه الحكاية إلا أن هذا الحديث المذكور فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يثبت ، وقال غيره : هذا من كلام الحارث ابن كلدة الثقفي طبيب العرب ، وكان فيهم كالطبيب أبقراط في قومه . فصل في الصحيحين عن عطاء أن ابن عباس قال له : ألا أريك امرأة من أهل الجنة ؟ قلت : بلى قال : هذه المرأة السوداء أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : إني أصرع وإني أتكشف فادع الله لي فقال : " إن شئت صبرت ولك الجنة وإن شئت دعوت الله تعالى أن يعافيك " فقالت : اصبر ، قالت : فإني أتكشف فادع الله أن لا أتكشف فدعا لها " 3 " .
--> ( 1 ) حمى المريض ما يضره حمية : منعه إياه ، واحتمى هو من ذلك وتحمى : امتنع . والحمي : المريض الممنوع من الطعام والشراب . لسان العرب ( 2 / 1014 / 2 ) . قال ابن القيم : الحمية من أنفع الأدوية قبل الداء فتمنع حصوله ، وإذا حصل فتمنع تزايده وانتشاره . زاد المعاد ( 4 / 105 ) . ( 2 ) راجع التعليق السابق . ( 3 ) أخرجه البخاري ( 5652 ) ومسلم ( 2576 ) .