محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
215
الآداب الشرعية والمنح المرعية
فيض الدموع ، واقشعرار الجلود ، ولين القلوب ، كما قال تعالى : اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ [ سورة الزمر : الآية 23 ] . وقرأ ابن مسعود عليه السلام فلما بلغ إلى قوله : وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً [ سورة النساء : الآية 41 ] . قالها : " حسبك " " 1 " فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان . رواه البخاري ومسلم . وأما الصعق والغشي ونحو ذلك فحدث في التابعين لقوة الوارد وضعف المورود عليه ، والصحابة لقوتهم وكمالهم لم يحدث فيهم ، فأقدم من علمت هذا عنه الإمام الرباني من أعيان التابعين الكبار الربيع بن خيثم رحمه الله تعالى سمع عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول : إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً [ سورة الفرقان : الآية 12 ] . فصعق وكان قبل الظهر فلم يفق إلى الليل ، وكذا الإمام القاضي التابعي المتوسط زرارة رحمه الله تعالى قرأ في الصلاة فلما بلغ : فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ [ سورة المدثر : الآية 8 ] . شهق فمات ، وكان هذا الحال يحصل كثيرا للإمام علما وعملا شيخ الإمام أحمد يحيى بن القطان . وقال الإمام أحمد : لو دفع أو لو قدر أحد أن يدفع - هذا عن نفسه دفعه يحيى . وحدث ذلك لغير هؤلاء فمنهم الصادق في حاله ومنهم غير ذلك ، ولعمري إن الصادق منهم عظيم القدر لأنه لولا حضور قلب حي وعلم معنى المسموع وقدره ، واستشعار معنى مطلوب يتلمح منه ، لم يحصل ذلك . لكن الحال الأول أكمل فإنه يحصل لصاحبه ما يحصل لهؤلاء وأعظم مع ثباته وقوة جنانه رضي الله عن الجميع . لكن كثير من المتأخرين لا يصدق في هذا الحال ، فسبحان علام الغيوب ، ونعوذ بالله من كل رياء وسمعة . وقد قال أبو الوفاء ابن عقيل في الفنون بعد السؤال عما يعتري المتصوفة عند سماع الوعظ والغناء هل هو ممدوح أو مذموم ؟ قال : لا يجوز أن يجيب عنها مجيب حتى يبين تحقيق السؤال فإن الصعق دخيل على القلب وغما لا عزما غير مكتسب ولا مجتلب ، وما كان بهذه الصفة لا يدخل تحت حكم الشرع بأمر ولا نهي ولا إباحة ، وأما الذي يتحقق من سؤالك أن نقول هذا التصدي للسماع المزعج للقلوب المهيج للطباع الموجب للصعق جائز أو محظور ؟ وهو كسؤال السائل عن العطسة هل هي مباحة أو محظورة ؟ والجواب أن هذه المسألة لا يجاب عنها جملة ولا جوابا مطلقا بل فيها تفصيل وهو أن يقال : إن علم هذا المصغي إلى إنشاد الأشعار أنه يزول عقله ويعزب رأيه بحيث لا يدري ما يصنع من إفساد أو جناية فلا ينبغي أن يعتمد ذلك وهو كالمتعمد لشرب النبيذ الذي يزيل عقله ، وإن كان لا يدري لاختلاف
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 5050 ) ومسلم ( 800 ) .