محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
190
الآداب الشرعية والمنح المرعية
مقدورا بدون التوكل فهو مقدور معه ولكن التوكل عبادة يثاب عليها من جنس الرضا بالقضاء وقول هؤلاء يشبه قول من قال : إن الدعاء لا يحصل به جلب منفعة ولا دفع مضرة بل هو عبادة يثاب عليها - إلى أن قال الذي عليه الجمهور أن المتوكل والداعي يحصل له من جلب المنفعة ودفع المضرة ما لا يحصل لغيره ، والقرآن يدل على ذلك ، ثم هو سبب عند الأكثرين وعلامة وأمارة عند من ينفي الأسباب ويقول : إن الله يفعل عندها لا بها ويقولون ذلك في جميع العبادات وذكر كلاما كثيرا احتج الآيات المشهورة . وذكر في التحفة العراقية أن التوكل واجب باتفاق أئمة الدين ، وقال في شرح مسلم : قال العلماء رحمهم الله : استعاذته صلى الله عليه وسلم من هذه الأشياء لتكمل صفاته في كل أحواله ، وشرعه أيضا تعليما لأمته . وفي هذه الأحاديث دليل لاستحباب الدعاء والاستعاذة من هذه الأشياء المذكورة وما في معناها ، وهذا هو الصحيح والذي أجمع عليه العلماء وأهل الفتاوى في الأمصار في كل الأعصار وذهب طائفة من الزهاد وأهل المعارف إلى أن ترك الدعاء أفضل استسلاما للقضاء ، وقال آخرون منهم : إن دعا للمسلمين فحسن ، وإن دعا لنفسه فالأولى تركه ، وقال آخرون منهم : إن وجد في نفسه باعثا للدعاء استحب وإلا فلا ، ودليل الفقهاء ظواهر القرآن والسنة في الأمر بالدعاء وفعله والإخبار عن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين بفعله . وقال الشيخ تقي الدين في مواضع : أعمال القلوب كمحبة الله ورسوله والتوكل على الله وإخلاص الدين له والشكر له والصبر على حكمه والخوف منه والرجاء له وما يتبع ذلك واجب على جميع الخلق مأمورون باتفاق أئمة الدين لا يكون تركها محمودا في حال أحد وإن ارتقى مقامه والذي ظن أن التوكل من المقامات العامة ظن أن التوكل لا يطلب به إلا حظوظ الدنيا وهو غلط ، بل التوكل في الأمور الدينية أعظم . قال : وأما الحزن فلم يأمر الله به ولا رسوله بل قد نهى عنه في مواضع وإن تعلق بأمر الدين كقوله : وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا [ سورة آل عمران : الآية 139 ] . لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا [ سورة التوبة : الآية 40 ] . فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ [ سورة عيسى : الآية 76 ] . لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ [ سورة الحديد : الآية 23 ] . وذلك لأنه لا فائدة فيه وما لا فائدة فيه لا يأمر الله به ، نعم ولا يأثم به صاحبه إذا لم يقترن بحزنه محرم وقد يقترن الحزن بما يثاب صاحبه عليه ويحمد عليه فيكون محمودا من تلك الجهة لا من جهة الحزن ، كالحزين على مصيبة في دينه وعلى مصائب المسلمين عموما ، فهذا يثاب عليه على قدر ما في قلبه من حب الخير وبغض الشر وتوابع ذلك ، ولكن الحزن على ذلك إذا أفضى إلى ترك مأمور من الصبر والجهاد وجلب منفعة ودفع مضرة نهي عنه وإلا كان حسب صاحبه رفع الإثم عنه من جهة الحزن ، وأما إذا أفضى إلى ضعف القلب واشتغاله به