محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
19
الآداب الشرعية والمنح المرعية
فقال لو وضع الصدق على جرح لبريء وقال خلف جاءني أحمد بن حنبل يسمع حديث أبي عوانة فاجتهدت أن أرفعه فأبى وقال لا أجلس بين يديك ، أمرنا أن نتواضع لمن نتعلم منه ، وقال محمد بن محمد بن عمر أبو الحسن العطار إنه رأى أحمد ابن حنبل أخذ لداود بن عمر بالركاب ذكره الحافظ تقي الدين بن الأخضر فيمن روى عن أحمد . وذكر أيضا أن أحمد بن سعيد الرباطي - لأنه تولى الرباطات فنسب إليها - قال سمعت أحمد بن حنبل يقول : أخذنا هذا العالم بالذل فلا ندفعه إلا بالذل ، وقال الرباطي قدمت على أحمد بن حنبل فجعل لا يرفع رأسه إلي ، فقلت يا أبا عبد الله إنه يكتب عني بخراسان وإن عاملتني بهذه المعاملة رموا بحديثي ، فقال لي أحمد : وهل بد يوم القيامة أن يقال أين عبد الله بن طاهر وأتباعه ؟ انظر أين تكون منهم ؟ فقلت يا أبا عبد الله إنما ولأني أمر الرباط لذلك دخلت قال فجعل يكرر ذلك علي . وينبغي أن يخفض صوته عنده قال الشيخ تقي الدين : من رفع صوته على غيره علم كل عاقل أنه قلة احترام له انتهى كلامه ولما رفع صوته سعد على أبي جهل قال له بعض قريش : لا ترفع صوتك على أبي الحكم . وقد قال تعالى : وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ [ سورة لقمان : الآية 19 ] . أي انقص منه ، ومنه قوله : غضضت بصري ، وفلان يغض بصره من فلان إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ [ سورة لقمان : الآية 19 ] . أي أقبح يقول : أتانا فلان بوجه منكر أي قبيح . وقال المبرد تأويله أن الجهر بالصوت ليس بمحمود وأنه داخل في باب الصوت المنكر ، وقال ابن قتيبة : عرفه قبح رفع الأصوات في المخاطبة بقبح أصوات الحمير لأنها عالية . قال ابن زيد لو كان رفع الصوت خير ما جعله الله للحمير ، وقال سفيان الثوري صياح كل شيء تسبيح لله إلا الحمار فإنه ينهق بلا فائدة ، ذكر ذلك ابن الجوزي وغيره . وقال ابن عقيل في الفنون مما وجدته في آداب أحمد رضي الله عنه أنه كان مستندا وذكر عنده ابن طهمان فأزال ظهره عن الاستناد ، وقال لا ينبغي أن يجري ذكر الصالحين ونحن مستندون ، قال ابن عقيل فأخذت من هذا حسن الأدب فيما يفعله الناس عند إمام العصر من النهوض لسماع توقيعاته . وقد ذكر هذا الحافظ ابن الأخضر فيمن روى عن أحمد في ترجمة أبي زرعة الرازي ، قال : سمعت أحمد بن حنبل وذكر عنده إبراهيم بن طهمان وكان متكئا من علة فاستوى جالسا وقال : لا ينبغي أن يذكر الصالحون فنتكيء . وقال الشافعي لا يطلب هذا العلم أحد بالملك وعزة النفس فيفلح لكن من طلبه بذلة النفس وضيق العيش وخدمة العلم وتواضع النفس أفلح . وقال أبو توبة البغدادي رأيت أحمد بن حنبل عند الشافعي في المسجد الحرام فقلت له يا أبا عبد الله هذا سفيان بن عيينة في ناحية المسجد يحدث فقال هذا يفوت وذاك لا يفوت .