محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي

135

الآداب الشرعية والمنح المرعية

ففي عقولنا قوة التسليم وليس فيها قدرة الاعتراض عليه . وقد يدعو الإنسان فلا يجاب فيندم ، وهو يدعى إلى الطاعة فيتوقف . فالعجب من عبيد يقتضون الموالي اقتضاء الغريم ولا يقتضون الغريم ولا يقتضون أنفسهم بحقوق الموالي . قال ابن الجوزي : ومن تأمل دقائق حكمته ومحاسن صفاته أخرجه حبه إلى الهيمان فيه ، فإن المعاني المستحسنة تحب أكثر من الصور ، ولهذا تحب أبا بكر وعمر وعثمان وعليا رضي الله عنهم لمعانيهم لا لصورهم ، فكيف لا تقع المحبة المختصة بالكمال المنزه عن نقص ؟ فوا أسفا للغافلين عنه ، ووا حسرتا للجاهلين به . وقال ابن الجوزي قبل ذلك : من نظر إلى أفعاله بمجرد العقل أنكر ، فأما من علم أنه مالك وحكيم وإن حكمته قد تخفى سلم لما لم يعلم علته بأفعاله مسلما إلى حكمته . وقد قال بعض الحكماء من لم يحترز بعقله من عقله هلك بعقله . وهذا كلام في غاية الحسن فإنا الحسن فإنا إذا قلنا للعقل هو حكيم قال : لا شك في ذلك لأني قد رأيت عجائب أفعاله المحكمة فعلمت أنه حكيم ، فإذا رأيت ما يصدر ما ظاهره ينافي الحكمة نسبت العجز إلي ولو لم يكن في ذلك إلا أن المراد تسليم العقول لما ينافيها وذلك عبادة العقول . قال : وصار هذا كما خفي عن موسى حكمة فعل الخضر ، وقد يخفى على العامي ما يفعله الملك ، فقد قال المتنبي : يدق عن الأفكار ما أنت فاعل وقال ابن عقيل في الفنون : الواحد من العوام إذا رأى مراكب مقلدة بالذهب والفضة ، ودورا مشيدة مملؤة بالخدم والزينة ، قال : انظر إلى ما أعطاهم مع سوء أفعالهم ولا يزال يلعنهم ويذم معطيهم ويسقف حتى يقول : فلان يصلي الجماعات والجمع ، ولا يذوق قطرة خمر ، ولا يؤذي الذر ، ولا يأخذ ما ليس له ، ويؤدي الزكاة إذا كان له مال ، ويحج ويجاهد ، ولا ينال خلة بقلة ويظهر الإعجاب كأنه ينطق عن تخايله أنه لو كانت الشرائع حقا لكان الأمر بخلاف ما نرى ، وكان الصالح غنيا والفاسق فقيرا . ما ذاك إلا لأنه لحظ أن الله أعطى هذا أموال الأيتام والوقوف ، بأن يأكل الربا ويفاسد العقود وهذا افتئات وتجوز وسخط في غير موضعه . فإن لله كتابا قد ملأه بالنهي وحرمان أخذ المال الحرام وأكله بغير حق . فلو كان منصفا لقال له : تدبر هذا كتاب الله مملوء بالنهي والوعيد فصار الفريقان ملعونين هذا بكفره وهذا بارتكاب النهي . ومن الفساد في هذا الاعتقاد أنه لا يبقى في العقل ثقة إلى دلالة قامت على شريعة أو حكم . فإن ينبوع الثقة ومصدرها إنما هو من قبيل أنه سبحانه لا يؤيد غير الصادق ولا يلبس الحق بالباطل . فإذا لم تستقر هذه القاعدة فلا ثقة . وقال أيضا : إذا تأمل المتدين أفعال الخلق في مقابلة إنعام الحق استكثر لهم شم الهواء ، واستقل لهم من الله سبحانه