محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
124
الآداب الشرعية والمنح المرعية
من لم يسعه الكفاف معتدلا * ضاقت عليه الدنيا بما رحبت وقال بعضهم استعينوا على الناس في حوائجكم بالتثقيل فذلك نجح لكم ، وقال آخر : من عف خف على الصديق لقاؤه * وأخو الحوائج وجهه مملول وكتب أبو العتاهية إلى بعض أصحابه يعاتبه فقال : لئن عدت بعد اليوم إني لظالم * سأصرف نفسي حين تبغى المكارم متى ينجح الغادي إليك بحاجة * ونصفك محجوب ونصفك نائم وسئل بعض الحكماء حاجة فامتنع فعوتب في ذلك فقال : لأن يحمر وجهي مرة خير من أن يصفر مرارا . وقال منصور الفقيه : من قال لا في حاجة * مطلوبة فما ظلم وإنما الظالم من * قال لا بعد نعم وقال آخر : إن لا بعد نعم فاحشة * فبلا فابدأ إذا خفت الندم وإذا قلت نعم فاصبر لها * بنجاز الوعد إن الخلف ذم وسبق ما يتعلق بهذا في الاستئذان ، وقبله في فصول الأمر بالمعروف في الإنكار على ولاة الأمور ، وفي ترجمة عبد الله بن عثمان عبدان شيخ البخاري أنه قال : ما سألني أحد حاجة إلا قمت له بنفسي ، فإن تم وإلا قمت له بمالي ، فإن تم وإلا استعنا له بالإخوان ، فإن تم وإلا استعنت له بالسلطان . وينبغي أن لا يندم من ردت شفاعته ولا يتأذى على من لم يقبلها ، ويفتح باب العذر وسيد الخلائق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أعظم حقا وأولى بكل مؤمن من نفسه بإجماع العلماء ، وقد روى البخاري " 1 " عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان زوج بريرة عبدا يقال له مغيث كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي ودموعه تسيل على لحيته فقال النبي صلى الله عليه وسلم للعباس : " ألا تعجب من حب مغيث بريرة ومن بغض بريرة مغيثا ؟ " فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : " لو راجعتيه فإنه أبو ولدك " قالت : يا رسول الله تأمرني ؟ قال : " لا إنما أشفع " قالت : فلا حاجة لي فيه ، والناس في هذا الأمر ورد شفاعتهم وعدم قبولها متفاوتون جدا كما هو معلوم من أحوالهم والله أعلم . قال ابن الجوزي رحمه الله : كان هارون الرقي قد عاهد الله أن لا يسأله أحد كتاب شفاعة إلا فعل ، فجاءه رجل فأخبره أن ابنه قد أسر بالروم وسأله أن يكتب إلى ملك الروم في إطلاقه ، فقال له : ويحك ومن أين يعرفني وإذا سأل عني قيل : هو مسلم فكيف يقضي حقي ؟ فقال له
--> ( 1 ) البخاري ( 5283 ) .